في المجتمعات المغلقة، حيث تُخنق الحرية تحت عباءة العُرف، ويتحوّل الصدق إلى تهمة، والوضوح إلى تهديد… لا ينتصر بالضرورة من يملك الفكر الأعمق أو الرؤية الأبعد، بل من يتقن لعبة القناع، ويملك الحدس الكافي لقراءة هشاشة من حوله.
ذلك المجتمع الذي يسوده النفاق لا يُكافئ العباقرة، بل يعاقبهم أحيانًا، بينما يُفرش الطريق أمام المخادعين، ويُصفق لمن يتقن فنّ التمويه، ويُحسن تحريك الخيوط في الظل. هنا، لا يعلو صوت المنطق، بل تتصدر المشهد ابتسامات مريبة، ووعود فارغة قابلة للتمدد والانكماش حسب المصالح.
في مثل هذا المناخ الاجتماعي، لا يكون الخطر الحقيقي في الجاهل الصريح، بل في “الساذج المتعلم”؛ ذلك الذي يخلط بين المعلومة والمعرفة، بين الحفظ والفهم، بين الظهور والحقيقة. أولئك السذّج لا يشكلون خطرًا لأنهم جهلاء، بل لأنهم يظنون أنفسهم مصلحين وهم أدوات، يعتقدون أنهم يعرفون وهم لا يرَون سوى ظلال أفكار غيرهم. يرددون ما يُقال في المجالس، وينقلون ما يسمعونه في المقاهي أو على صفحات التواصل، ويقفون سدًّا أمام أي محاولة للتغيير الحقيقي.
ومن هنا، ينجح “الماكر الذكي”، لا لأنه الأكثر عبقرية، بل لأنه الأقدر على فهم تركيبة القطيع، والأمهر في تطويع نقاط ضعف الآخرين لصالحه. لا يخترع، ولا يبدع، لكنه يعرف من أين تؤكل الكتف، ومتى يصمت، ومتى يتكلم، ومتى ينحني ليمرّ.
النجاح في هذا السياق لا يرتبط بالسمو الفكري أو بالقيم النبيلة، بل بمهارة التلاعب، والقدرة على استغلال التردد البشري، وبناء صورة زائفة توهم بالتفوق بينما حقيقتها قائمة على الفراغ.
والمفارقة أن بعض هؤلاء لا يعترفون أصلًا بأنهم يمارسون الخداع، بل يرونه “فنّ قيادة”، و”حنكة اجتماعية”، و”دهاء مشروع”. وهم ليسوا دائمًا أشرارًا كما نظن، بل ناجون في غابة لا يحكمها الأقوى أخلاقًا، بل الأقوى تأثيرًا.
وهنا يكمن الدرس الفلسفي: ليست كل النجاحات انعكاسًا لعبقرية، بعضها مجرد نتيجة لغفلة الآخرين.
وليست كل الهزائم دليلًا على الضعف، فالنبلاء يخسرون أحيانًا لأنهم رفضوا أن يكونوا قساة في عالم لا يرحم.
في زمن تتداخل فيه المعايير، وتُمسخ فيه القيم، ربما لا تحتاج إلى أن تكون الأذكى… فقط، كن أقل سذاجة، وأكثر وعيًا باللعبة..،،.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية










