هناك تهديد محتمل آخر للذكاء الاصطناعي في الوسائط الرقمية، وهو إزاحة العمالة البشرية؛ فمع تقدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، هناك خطر أتمتة الوظائف، وفقدان الأدوار التقليدية في صناعة الإعلام، ويمكن أن يؤدي هذا إلى البطالة والتفاوت الاقتصادي والاضطرابات الاجتماعية.ﺗُﻈﻬﺮ ﺗﻮﻗﻌﺎت “جامعة جورج تاون” أنه ﺑﺤﻠﻮل ﻋﺎم 2031 سينخفض ﻋﺪد اﻟﻮﻇﺎﺋﻒ اﻟﺼﺤﻔﻴﺔ ﺑﻨﺴﺒﺔ أكثر من الثُلث (٪35) ﺗﻘﺮﻳﺒًﺎ، ﻣﻤﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﺧﺴﺎرة أﻛﺜﺮ ﻣﻦ (20) ألف وﻇﻴﻔﺔ.
بالمقابل، تشير تقارير إلى أنّ التغيير الأهم لن يكون في القضاء التام على الوظائف، بل في تغيير طبيعة المهارات المطلوبة. توصل تقرير نشرته جامعة Maryville الأميركية عن تأثير التطورات التكنولوجية على تشكيل مستقبل الصحافة أنه تم التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي برغم قدرته على المساعدة في إنشاء المحتوى، فإنه لا يمكنه أن يكون بديلاً عن التقارير البشرية. على سبيل المثال لا تحل أداة Lynx Insight ( أداة أنشأتها وكالة رويترز تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل الأخبار محل المراسلين، ولكنها مصممة بدلاً من ذلك لفرز البيانات ولتحديد الأنماط، والسماح للموظفين البشريين بطرح الأسئلة وفهم السياق.
ـ التحديات القانونية والمسؤولية عن المحتوى
تُنتج أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وDALL-E، أعمالًا إبداعية يتخطى بعضها حدود الإبداع البشري، وتثير هذه التحول تساؤلات جوهرية حول ملكية حقوق النشر، والمسؤولية، والخصوصية، والاعتبارات الأخلاقية.
فيما بدأت الحكومات والمنظمات حول العالم باتخاذ خطوات لتنظيم أدوات الذكاء الاصطناعي من خلال فرض لوائح وتعزيز التعاون المشترك. فعلى سبيل المثال، وضع الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act) الذي يحدد قواعد شاملة، تتضمن متطلبات الشفافية والمساءلة، خاصةً للتطبيقات عالية المخاطر مثل إنشاء المحتوى.وبالمثل، بدأت الولايات المتحدة في مناقشة تنظيم الذكاء الاصطناعي، حيث أكدت جهات مثل لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) على ضرورة مكافحة الممارسات التضليلية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي.من جانبها، تعمل شركات التكنولوجيا على تقليل المخاطر المرتبطة بهذه التقنيات. فقد اقترحت OpenAI وGoogle وغيرها من الشركات الرائدة في المجال أطرًا طوعية لتعزيز الشفافية، مثل وضع علامات مائية على المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي وتحسين معايير الحماية في النماذج الذكية.
ـ الذكاء الاصطناعي ـ استراتيجيات تكيف وتطوير الإعلام في ظل التطور التكنولوجي
يواجه الإعلام تحديات جسيمة، في ظل التطور التكنولوجي وتحول وسائل التواصل الاجتماعي من منصات تواصل بين المستخدمين، إلى منصات ناقلة للمعلومات والأخبار، وأصبحت عملية تقديم محتوى عبر هذه المنصات متاحة، ما يؤدي لزيادة المنافسة مع وسائل الإعلام. ومع انتشار التقنيات التكنولوجية الحديثة مثل “شات جي بي تي”، واستغلال الإعلام لتوجيه الرأي العام في أوقات الأزمات والحروب، زادت التحديات أمام وسائل الإعلام التقليدية، بانتشار المعلومات المضللة وفقدان الثقة في هذه الوسائل.
هل انخفضت الثقة في وسائل الإعلام في زمن الذكاء الاصطناعي؟
تغيرت النظرة إلى وسائل الإعلام التقليدية خلال جائحة “كوفيد-19″، وأصبحت منصات الإعلام الرقمية هي المسيطرة على نقل المعلومات. ويقول مدير معهد رويترز لدراسة الصحافة راسموس كلايس نيلسن، إن “وسائل الإعلام الرقمية هي الوضع الطبيعي الجديد، وعلى الصحفيين ووسائل الإعلام الإخبارية أن يحجزوا مكاناً إذا أرادوا التواصل مع الجمهور”.
ووفقاً لتقرير رويترز “الأخبار الرقمية 2023″، فإن نسبة الجمهور المتابع لمواقع الأخبار الإلكترونية تتراجع، ويستهلك خمسهم الأخبار عبر منصات الأخبار التقليدية. ويلجأ الشباب للبحث عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو مواقع تجميع الأخبار. ويهتم مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، بالمشاهير والمؤثرين بدلاً من الإعلاميين والصحفيين، في نقل المعلومة وطرح قضايا للنقاش.يشير مقياس “إيدلمان للثقة 2023” إلى تراجع وسائل الإعلام التقليدية بنسبة (50%) وانخفضت نقطتين مئويتين خلال عام واحد. مع تفاقم الاستقطاب عبر وسائل الإعلام، انحدرت الثقة في هذه الوسائل الإعلامية، ويقول المدير التنفيذي لمعهد “إيدلمان للثقة” جاستن بليك، إن عدد أقل من الأشخاص الذين يتم استقطابهم يثقون في الإعلام.
كانت قضايا تغير المناخ وحرب أوكرانيا وفيروس كورونا والانتخابات الأمريكية 2020، دليلاً على تصاعد الاستقطاب وانعدام الثقة في وسائل الإعلام، لانتشار المعلومات المضللة. وأشارت دراسة أجريت على مستخدمي “فيسبوك” بالانتخابات الأمريكية 2020، إلى أن ناشري الأخبار المضللة حصلوا على تفاعلات أكثر بـ (6) أضعاف على المنصة، مقارنة بمصادر الأخبار الموثوقة مثل قناة “سي إن إن”. أوضح تقرير التوقعات العالمية للترفيه والإعلام (2023-2027)، تباطؤ نمو صناعة الإعلام في 2022 بنسبة (5.4%)، ومن المتوقع استمرار التباطؤ في السنوات الـ (5) المقبلة.
دور المؤسسات الإعلامية لتعزيز المصداقية في ظل الذكاء الاصطناعي
رغم أن الذكاء الاصطناعي أثر سلباً على تفاعل الجمهور مع الإعلام التقليدي، فإنه يمكن توظيفه في تحليل المعلومات وتحديد اهتمامات الجمهور، وتخصيص المحتوى والإعلانات وفقاً لهذه البيانات، ومكافحة الأخبار الزائفة وتعزيز الوعي الرقمي لدى الجمهور، وتقديم محتوى صحفي أو تليفزيوني، باستخدام صوت آلي أو الرسائل النصية المحررة تلقائياً.كان عام 2024 اختباراً حقيقياً لوسائل الإعلام، نظراً لمشاركة أكثر من ملياري شخص حول العالم في انتخابات مختلفة، شملت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والهند.
ينبغي أن تعمل وسائل الإعلام الإخبارية على بناء الوعي، بالمبادئ الأساسية التي تضمن جودة المحتوى، وتقديم التوصيات للقراء والتعامل مع مصادر المعلومات، خاصة وأن تطور الذكاء الاصطناعي وتدفق الأخبار بشكل واسع، زاد من انعدام الثقة في وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية. ويقول الكاتب الرئيسي لتقرير رويترز للأخبار الرقمية نيك نيومان، إن “معظم المستهلكين يبحثون عن الأخبار التي تساعدهم على فهم القضايا المعقدة”.أوضح كبير مسؤولي الأبحاث في “نيلسن” بيت دو، أن المبادئ الأساسية للبحث الموثوق لم تتغير، ما تغير هو تنوع مصادر البيانات، لاعتماد مناهج التعليم الآلي والذكاء الاصطناعي، على بيانات ضخمة تعتمد على البيانات التجريبية لتعزيز الثقة وتقليل التحيز. لذا يعد الوصول للمحتوى عالي الجودة وبأسعار ممكنة، بالغ الأهمية للحفاظ على جمهور وسائل الإعلام، وتقليل فجوة الثقة مع الجمهور.
أشار تقرير “الأخبار الرقمية 2023″، إلى أن (32%) من الجمهور الذين لا يملكون اشتراكات في وسائل الإعلام الإخبارية، سيتشجعون على الاشتراك لو كان أرخص وأكثر مرونة. رواج الفيديوهات والبث الصوتي على منصات “تيك توك” و”يوتيوب” و”انستغرام”، يدفع وسائل الإعلام لتلبية احتياجات الجمهور، لإنتاج محتوى مرئي. يقول نائب رئيس تحرير صحيفة “دي تسايت” الألمانية هولجر ستارك، إن “التحول في وسائل الإعلام نحو المحتوى المرئي والبودكاست، يستقطب فئة أصغر سناً، ويخلق علاقة وثيقة غير اعتيادية بين الصحفيين والجمهور، لمواجهة تراجع الثقة في وسائل الإعلام”.
التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجهات الأكاديمية بشأن الذكاء الاصطناعي
إعادة الثقة بالإعلام يتطلب الحد من المحتوى الضار عبر الإنترنت، وإلغاء الربح من الأخبار الكاذبة، بالتعاون مع أوساط أكاديمية وحكومية. ويقول نائب رئيس العلاقات الحكومية والسياسات العامة لأوروبا بـ”تيك توك” تيو بيرترام، إن” تزايد بحث المستخدمين عن المحتوى الإخباري عبر تيك توك، يتطلب تمكين المستخدمين من العثور على الصحفيين والمؤسسات الإخبارية التي يثقون بها”. بحسب دراسة لشركة “أكسيوس”، فمن المتوقع أن يكون (90%) من المحتوى المتاح على الإنترنت مركباً بحلول (2026)، ما يؤدي لانخفاض المحتوى التي تنتجه وسائل الإعلام. أوضح المدير السابق لمركز تو-نايت للصحافة بكلية “كريج نيومارك” جيف جارفيس، أنه يجب على الصحفيين تطوير دورهم في خدمة المجتمعات، وتقديم المحتوى الصحفي عبر الجهات الأكاديمية. وأكد الرئيس التنفيذي لشركة “هوبرت بوردا ميديا” مارتن فايس، أن التقارير الصحفية المتوازنة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي، تعزز الثقة وتنوع الآراء في تناول القضايا الاجتماعية.
تطوير مهارات العاملين بالإعلام لمواكبة التكنولوجيا
يحتاج الإعلامي تطوير مهاراته للتعامل مع التحول الرقمي، بفهم تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يمكن استخدمها في الإعلام. وينبغي أن يتمتع بمهارات تحليلية وقدرة على تطوير المحتوى، للتوافق مع توجهات الجمهور. ينبغي أن يكون الإعلامي قادراً على التعلم المستمر، وعلى دراية بالتحديات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وأن يتميز بالمصداقية في نشر المعلومات والتحقق من المصادر، والقدرة على إطلاق الحوار والتفاعل مع الجمهور. اتفق الحضور في مؤتمر الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية، التي نظمته منظمة “اليونسكو” في 30 أكتوبر 2024، على ضرورة فهم تأثير الذكاء الاصطناعي على الإعلام، بمحاربة المعلومات المضللة وتعزيز قدرات المتعاملين فيه. تشريعات دولية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي
– وافق الاتحاد الأوروبي، في 28 سبتمبر 2023، على اتفاق يضمن جودة البيانات المستخدمة في تطوير الخوارزميات، والتأكد من أنها لا تنتهك تشريعات حقوق النشر، ويلزم المطورين الإشارة إلى أن الأصوات والصور والنصوص منتجة بالذكاء الاصطناعي.
– وافق برلمان الاتحاد الأوروبي في 13 مارس 2024، على أول مجموعة رئيسية من القواعد التنظيمية الأساسية لإدارة الذكاء الاصطناعي المتطور.
-اعتمدت الأمم المتحدة قراراً، في 21 مارس 2024، بشأن الاستفادة من فرص الذكاء الاصطناعي لأغراض التنمية المستدامة وسد الفجوات بين البلدان.
– وقع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا، في 5 سبتمبر 2024، أول معاهدة دولية ملزمة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الابتكار وحماية المتضررين من أنظمة الذكاء الاصطناعي.
نماذج ناجحة في استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام
– تعاونت صحيفتا “كورييري ديلا سيرا” و”لا جازيتا ديلو سبورت”، مع شركة “أوبن أي إيه” لبناء أرشيف إخباري تفاعلي باستخدام الذكاء الاصطناعي، ويمكن المستخدمين من الوصول لأكثر من (30) ألف مقال أرشيفي.
– أجرت مجلة “تايم” تجربة باستخدام “شات جي بي تي”، لتحليل أرشيفها الذي يضم (200) مليون صفحة، وانشأت اختبارات لقياس مدى معرفة القراء بالشؤون الجارية.
– تستخدم صحيفة “التايمز” أدوات الذكاء الاصطناعي مثل JAMES ، لمساعدة ناشري الأخبار على تعزيز تفاعل القراء عبر رسائل البريد الإلكتروني، وتوزيع النشرات الإخبارية بقراءة تفضيلات القراء.
– يعتمد تطبيق “دقائق نيكي Minutes by Nikkei” على أداة ذكاء اصطناعي داخلية تسمى، “نيكي تايلور”، لتلخيص المقالات الخبرية، ما أدى لانخفاض ساعات عمل المحررين في الصياغة بنسبة (50%)، ويساعدهم على التركيز في مراقبة الجودة.
– أطلقت صحيفة “كلارين” الأرجنتينية، مساعد قراءة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي باسم “والتر إيه أي”، بتوفير صيغ متعددة للمقالات الإخبارية.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










