الغربة تغربل لك الصالح والطالح من الناس ولكن بعد قرصات كبيرة تجدها من معظم الأشخاص الذين يدخلون حياتك. فاليوم تمد له يدك وفراشك وسفرتك ليمد لك لدغة أفعى، كما قال أحدهم لا تتفاجأ إن أهديت أحدهم عصا ليتكأ عليها، فجش بها رأسك يوما ما! وللأسف لا تصادف مثل هذه المواقف إلا من أبناء عروبتك بل أحياناً تجد الأجنبي أحن عليك من أبناء بلدك.
فأنت في أرضهم يستقبلونك بكل صدر رحب ويمدون لك يد المساعدة بل يفتحون لك بيوتهم وعملهم. وجارك العربي ربما لن يطرح عليك السلام وسيجاهد بكل قوته ألا يحتويكما مكان عمل واحد وأجر واحد، طمع غريب على أرض ليست لنا، لا أدري نحن على ماذا نتنافس فكلنا مغتربون وكلنا “في الهوى سوى”. هل تعلمون نحن في غربتنا ندفع المال حتى يكشف لنا معدن وأصالة الناس.
الغربة مثل الورود مليئة الأشواك التي تسعدك ريحها الطيبة ولكن لا تستطيع الاقتراب منها أو قطفها
الغربة مثل الورود مليئة الأشواك التي تسعدك ريحها الطيبة ولكن لا تستطيع الاقتراب منها أو قطفها
في الغربة نحن نجاهد حقا في تعليم وتربية أبنائنا وسط بيئة غير بيئتنا الإسلامية والعربية. بغض النظر عن كل ميزات التعليم لديهم وأخلاقيات الإنسانية التي يمتكلونها ولكن لا نستطيع إنكار اختلاف الثقافات والعادات بيننا وبينهم. نحن مجبرون يوميا على تقديم شرح وتفصيل لأولادنا لكل ما قد يرونه ربما في الطريق أو في المدرسة أو حتى لو قررنا الذهاب في نزهة عائلية. طفلي لم يكمل الخمس سنوات وهو دائم الاستفسار حيال الكثير من الأمور التي قد يفعلها زملاؤه في المدرسة وهو لا يستطيع فعلها.
قبل عدة الأيام عاد إليَّ حزيناً لعدم مشاركته في احتفال مدرسته وكل زملائه سيشاركون. لا أنكر لقد بقيت عاجزة لوقت طويل وأنا أحاول تركيب الكلمات لإقناعه بأن هذا احتفال ديني لا يناسب ديننا ولا نستطيع المشاركة فيه. لا أعرف تملّكني خوف كبير وقتها فلا أدري اليوم قد أستطيع اقناعه وبالغد ربما لا أستطيع! «البداية لا أعرفها جيدا.. كل ما أتذكره هو سفر والدي المتكرر إلي الخارج بحثا عن عمل أفضل وحياة أفضل لأمي ولأخواتي.. أحيانا اشتاق إليه، أتمني أن يضمني إلي صدره في حنان ويسألني عن أحوالي وأموري ولكنه دائما في غياب، قدومه قليل ورحيله أكثر بكثير ».. إنها حالة من الواقع تعيش فيها بعض الأسر المصرية، مشاعر متصارعة في أرض الواقع، من يدفع ثمنها؟ آباء وأمهات أم أبناء..؟؟ إن أرض الله واسعة أعطانا الإذن بأخذ العلم والرزق في أي بقعة منها ولكنه ترك لنا حرية الاختيار وتحكيم العقل واصطفاء الزمان الصحيح لإعادة السفينة إلى مرساها الأول حتى لايغرق كل من فيها ليختفي معها علم الهوية التي يجب أن تكون بالتأكيد هوية سودانية فهي أمانة فلنحافظ عليها.
ما ترونه من جمال الصور والفيديوهات التي نلتقطها في غربتنا ما هي إلا كبسولات مسكنة تسكن حنينا وشوقنا، فالغربة أن تعيش عمرك كاملا بحنين واشتياق لبيتك وأهلك، لنسائم بلدك ورائحة ترابه. الغربة تضع أعمارنا وذكرياتنا رهينة حقيبة سفر، تمر السنوات وتتجعد الوجوه ونحن نقلب عداد الأيام التي تمر. المغترب هو سجين الوقت الذي يمضي مسرعا وراء حلم وردي، هو الإنسان الذي لم يجد الفرصة في وطنه ولا الراحة في غير بلده. صراع بين قلبه الذي يحن دوما لمكانه وذكرياته القديمة وبين عقله الذي يشده لرخاء ورفاهية الاغتراب.
الغربة مثل الورود مليئة الأشواك التي تسعدك ريحها الطيبة ولكن لا تستطيع الاقتراب منها أو قطفها. هو الألم الذي يتملكك عندما تكون سعيدا بميلاد طفلتك أو تخرج طفلك من المدرسة أو حتى شراء فستان جديد لابنتك ولا تستطيع مشاركة سعادتك مع من تحب. الأعياد والمناسبات تمضي كيوم عادي بلا بهجة أو روح. قد تبدو أموراً بسيطة وعادية لكن للمغترب ليست كذلك.
إن هناك عوامل كثيرة تتحكم فى هذا الموضوع ومنها أن غياب الآباء سعيا وراء المال يؤدى إلى إعلاء القيم المادية على المعنوىة من وجهة نظر الأبناء وهو ما يؤثر بالسلب عليهم هذا بالإضافة إلى غياب النواحى العاطفية التى تربط الأسرة مما يؤدى لاضطراب العلاقات بين الآباء والأبناء وغياب القدوة ووجود أزمة ثقة فى المجتمع والنقطة الأكثر أهمية هنا هى الأم ودورها فى رعاية الأبناء فى حالة غياب الأب فهى بمثابة رمانة الميزان لترابط وتماسك الأسرة فى حالة غياب الأب .
ومازال السؤال يتردد بين الحين والآخر، هل هناك دافع أى دافع يعطى الحق للآباء الابتعاد عن أبنائهم فترة طويلة دون متابعة وإحساس بالمسئولية تجاههم.. وهل يتفهم الجميع أهمية الأمان والراحة النفسية التي تفوق أي ماديات؟
قد شفّني الوجد لو تدرينَ يا أملُ و الدمع في مُقلتي ضاقت بهِ السبُلُ فانسالَ كالدُّرِّ فوق الخدِّ مكتئباً لما رأى الصحبَ للأوطان قد رحلوا سألتُهُ، ورياح الشوقِ تعصفُ بي ماذا دهاكَ، أبعد الشيبِ تنهملُ؟ أجابني: ومتى يا صاحِ تُهرقني و قد أصابكَ جُرحٌ ليس يندملُ أليس في غربةٍ جُرِّعتَ قسوتها عمراً طويلاً إذا ما قستها ثِقَلُ؟ وفي فراقِ حبيبٍ قد حُرِمتَ بِهِ طعمَ الكرى والهنا يا صاحبي مللُ؟ كلٌّ طوى ليلَهُ واغتال غربتهُ و أنتَ لا زِلتَ بالدينارِ تنشغلُ أغراك كسبٌ له بالبعد عن وطنٍ عشرينَ حوْلاً، طواك السهلُ والجبلُ قلتُ اصمتي يا دموع العين وارتدعي فقد دها القلبَ من تثريبكِ الكللُ أما علمتِ وأنتِ النارُ في كَبدي كيف اشتياقي لأرضِ النيلِ مشتعلُ؟ مصرُ التي قد ثوت في خافقي ودمي من ذا ينازعني فيها ويحتملُ؟ لا المالُ يا أدمعي يُغني ووفرتُهُ عن ذرةٍ من ثراها منهُ أكتحِلُ كلا ولا الذهبُ البرَّاقُ يسلبني عقلي، وإن زاغتِ الأبصارُ والمُقَلُ وما الدانوبُ ونهر السينِ من نَهَرٍ ينسابُ في أرضها شلالُهُ العسلُ
والشمسُ ما الشمسُ إلا من مشارقها إني بكأسِ ضحاها شاربٌ ثَمِلُ والبدرُ قد زادهُ أنوارُها أَلَقاً فمِن محاسنها يزهو ويكتملُ إن حَمْلقَت عينُهُ في وجهها عَرَضاً أصابَهُ في عُلاهُ الخسفُ والخَجَلُ وأين مِنِّي أذان الفجرِ، يرفعهُ في أزهرِ الخيرِ صوتٌ خاشعٌ وجِلُ ومن إذا جفَّ نبعُ الشعرِ أو نضبت بحورُهُ، أو عراهُ الزيفُ والخللُ
يُلقي لنا طوق إنقاذٍ بأمسيةٍ في صيفِ مصرَ بهِا الأشعارُ تُرتجَلُ وتسكبُ اللحنَ في الآذانِ صادحةٌ في الخلقِ ليس لها نِدٌّ ولا مَثَلُ يا أيها الدمعُ أمسِكْ عن مُعاتَبَتي فليس لي عن هوى محبوبتي حِوَلُ إن غبتُ عنها، فإن الشوقَ يدفعني لها، ومن غربتي في النيلِ أغتسلُ أُطهرُ الروحَ من ذنبِ اغترابي، ومِن ليلٍ طوتني بِهِ الأمصارُ والدُّوَلُ
الاغتراب قد يكون لدولة عربية أو أوربية وأكيد لأسباب تتعدد وتتحكم فيها ظروف كل مغترب على حدة ، ليظهر تأثير وانعكاس تلك البيئة على الأبناء في تشكيل هويتهم التي حارت مابين الوطن الأم والصدر المرضع ، فتتقلب الأمور لتظهر على السطح المشاكل جلية متى ماعادوا شباباً للوطن.
فلنأخذ مثلاً زواج أبناء المغتربين مقارنة مابين من نشأوا فى دولة عربية وأخرى أجنبية ، فالعائدون من الدول العربية يجدون صعوبة في التأقلم مع الوضع الاقتصادي هنا ، وهو ليس تعالياً أو قصوراً تربوياً من الأهل إنما هو انعكاس طبيعي لواقع الحال الذي عاشوا فيه … فنجد أن معظم الزيجات إن لم تبوء بالفشل فإنها تلجأ مرة أخرى للاغتراب وبدلاً من أن يعودوا فرادى عادوا أزواجاً فينشئوا أسرة أخرى (مغتربة) فتعود لتغلق الدائرة مرة أخرى … ويعود التساؤل هل فقدوا هويتهم وانتماءهم للوطن الأم فعادوا ليرضعوا أبناءهم القادمين تقاليد وأعراف وثقافة أشبه باللبن الصناعي.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










