من المصادفات السعيدة أنني التقيت المفكر والناقد الراحل الدكتور لويس عوض، حتى ولو كانت مرة واحدة فقط، إذ جلست إليه نحو ساعة كاملة، أغمره بأسئلتي، وهو يجيب بهدوء واتزان وحكمة.
وقبل أن أشرح لسعادتك متى وأين وماذا جرى في هذا اللقاء النادر، دعني أحكِ لك كيف كنا نلتهم المقالات التي كان الأهرام ينشرها في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته.
أذكر جيدًا أن الأهرام في تلك الفترة كان منصة إعلامية بالغة الأهمية لكبار المبدعين والكُتّاب المصريين لينشروا مقالاتهم بحرية وانتظام، فكنت حريصًا على مطالعة ما يكتبه كل من هؤلاء الأستذة الكبار أمثال :
توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود ونجيب محفوظ ولويس عوض وإحسان عبدالقدوس وعبدالرحمن الشرقاوي وبنت الشاطئ، ثم انضم إليهم كل من أحمد عبدالمعطي حجازي ولطفي الخولي وغالي شكري. هذا فضلا عن العمود اليومي الذي كان يكتبه كل من أحمد بهاء الدين ثم سلامة أحمد سلامة.
في تلك الأيام الخوالي – مطلع الثمانينيات – كنت طالبًا في كلية الفنون الجميلة بالزمالك، وكنت أسيرًا للأسئلة الكبرى في الحياة حول العدل والإنصاف والتطور والحرية والجمال والموت وما بعد الموت،
وكانت القراءة هي الزاد الأول لاكتساب المعارف وإثارة العقل وتهذيب الوجدان، وأشهد أن مقالات الأهرام كانت تسهم في اتساع مجال الرؤية للحياة والكون والناس.
عقب فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل ساقت لي المقادير ذات مساء المفكر والناقد الكبير الدكتور لويس عوض (1915/ 1990). جرى اللقاء المفاجئ في حديقة نقابة الصحفيين المصريين بالقاهرة (المقر القديم).
في تلك الليلة كنت أسهم بنصيب في تنظيم معرض فن تشكيلي مع الفنان التشكيلي الكبير الأستاذ يحيى حجي. المعرض قررته المنظمة العربية لحقوق الإنسان برئاسة الأستاذ محمد فائق الذي تولى وزارة الإرشاد القومي (الإعلام) في الستينيات.
المهم، قبل الافتتاح بنحو ساعة ونحن منهمكون في وضع اللمسات الأخيرة للمعرض فوجئت بالدكتور لويس عوض مقبلا نحوي يسألني متى الافتتاح؟
أذهلتني المفاجأة، فأنا من عشاق كتاباته الرصينة الممتعة، وها هو يقف أمامي بشحمه ولحمه وعقله وأفكاره اللامعة. وعلى الفور تركت ما كنت منشغلا به، واصطحبته إلى داخل المبنى لأعثر على غرفة مفتوحة فدعوته للجلوس حتى يحين موعد الافتتاح. لقد بدا لي منهكا إلى حد ما، لذا شكرني بلطف بعد أن جلس مستنشقا نفسًا عميقا.
تأملت هيئته جيدًا. كان يرتدي جاكت بدلة بسيط فاتح اللون فوق قميص وصديري دون رابطة عنق. أما البنطلون فغامق. كنت أعي جيدًا أنني أجلس آنذاك برفقة واحد من أكابر مصر ونوابغها، وأعلم أنه عاصر طه حسين حين كان طالبًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، بينما الدكتور طه يتبوأ منصب العميد.
سألني عن اسمي وماذا أفعل هنا، وما علاقتي بالمعرض، فلما أجبت أحسست أنه شعر باطمئنان نحوي، فلم أضيع وقتا، وبدأت أغمره بأسئلتي بأدب شديد، فسألته، وكنت متحيرًا جدًا في البحث عن إجابة: كيف تتذكر يا دكتور لويس التواريخ والأرقام التي تكتبها في مقالك الأسبوعي في الأهرام؟
فابتسم بلطف، ثم أخرج من جيب جاكت البدلة كتابًا صغيرًا باللغة الإنجليزية، وقال لي وهو يرفع الكتاب إلى أعلى:
- يا بني… الذاكرة خوّانة… لا يمكن أن أعتمد على ذاكرتي فقط، بل أعود إلى الكتب والمراجع باستمرار.
لاحظ من فضلك أننا لم نكن نعرف حينئذ الإنترنت وجوجل وكل هذه الثمار التكنولوجية الرائعة التي اخترعها العقل العلمي الغربي.
وعدت أسأله متى يحقق الكاتب عائدًا ماليًا معقولا من كتاباته، فرجع بظهره إلى مسند المقعد، وقال بنبرة لا تخلو من يأس:
- يا ناصر… من أسف كل أدباء مصر ومثقفيها حالتهم لا تسر، بمن فيهم نجيب محفوظ نفسه، ولولا جائزة نوبل التي تحصل عليها مؤخرًا ما تمتع الرجل باستقرار مالي مناسب.
- وهل محفوظ يستحق نوبل؟
كنت أعرف أنه انتقد بشدة “بين القصرين” عند صدورها عام 1956، فأجاب الدكتور:
- يستحق بكل تأكيد، رغم بعض الملاحظات التي كتبتها عن “بين القصرين”.
ثم بادرني سائلا:
- هل أنت متزوج؟
فلما نفيت بسبب الظروف المالية القاسية، طلب مني أن أبحث عن فرصة عمل لائقة في الخليج قائلا:
- أنت مازلت شابًا، فانطلق واجتهد، فالحياة بالغة القسوة.
بعد ذلك بنحو عشرة أعوام استعنت بكتابه المهم (تاريخ الفكر المصري الحديث) ضمن المراجع التي درستها وأنا أعد كتابي (تاريخ الرسم الصحفي في مصر) الذي حصد المركز الأول لجائزة أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى عام 1998.
السلام لروحك الطاهر وعقلك المنير يا دكتور لويس.
- الشكر الجزيل للأستاذ الكبير طارق رضوان رئيس التحرير ، ولفريق العمل في القاهرة .
ماذا قال لي لويس عوض؟ *
ناصر عراق
من المصادفات السعيدة أنني التقيت المفكر والناقد الراحل الدكتور لويس عوض، حتى ولو كانت مرة واحدة فقط، إذ جلست إليه نحو ساعة كاملة، أغمره بأسئلتي، وهو يجيب بهدوء واتزان وحكمة.
وقبل أن أشرح لسعادتك متى وأين وماذا جرى في هذا اللقاء النادر، دعني أحكِ لك كيف كنا نلتهم المقالات التي كان الأهرام ينشرها في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته.
أذكر جيدًا أن الأهرام في تلك الفترة كان منصة إعلامية بالغة الأهمية لكبار المبدعين والكُتّاب المصريين لينشروا مقالاتهم بحرية وانتظام، فكنت حريصًا على مطالعة ما يكتبه كل من هؤلاء الأستذة الكبار أمثال :
توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود ونجيب محفوظ ولويس عوض وإحسان عبدالقدوس وعبدالرحمن الشرقاوي وبنت الشاطئ، ثم انضم إليهم كل من أحمد عبدالمعطي حجازي ولطفي الخولي وغالي شكري. هذا فضلا عن العمود اليومي الذي كان يكتبه كل من أحمد بهاء الدين ثم سلامة أحمد سلامة.
في تلك الأيام الخوالي – مطلع الثمانينيات – كنت طالبًا في كلية الفنون الجميلة بالزمالك، وكنت أسيرًا للأسئلة الكبرى في الحياة حول العدل والإنصاف والتطور والحرية والجمال والموت وما بعد الموت،
وكانت القراءة هي الزاد الأول لاكتساب المعارف وإثارة العقل وتهذيب الوجدان، وأشهد أن مقالات الأهرام كانت تسهم في اتساع مجال الرؤية للحياة والكون والناس.
عقب فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل ساقت لي المقادير ذات مساء المفكر والناقد الكبير الدكتور لويس عوض (1915/ 1990). جرى اللقاء المفاجئ في حديقة نقابة الصحفيين المصريين بالقاهرة (المقر القديم).
في تلك الليلة كنت أسهم بنصيب في تنظيم معرض فن تشكيلي مع الفنان التشكيلي الكبير الأستاذ يحيى حجي. المعرض قررته المنظمة العربية لحقوق الإنسان برئاسة الأستاذ محمد فائق الذي تولى وزارة الإرشاد القومي (الإعلام) في الستينيات.
المهم، قبل الافتتاح بنحو ساعة ونحن منهمكون في وضع اللمسات الأخيرة للمعرض فوجئت بالدكتور لويس عوض مقبلا نحوي يسألني متى الافتتاح؟
أذهلتني المفاجأة، فأنا من عشاق كتاباته الرصينة الممتعة، وها هو يقف أمامي بشحمه ولحمه وعقله وأفكاره اللامعة. وعلى الفور تركت ما كنت منشغلا به، واصطحبته إلى داخل المبنى لأعثر على غرفة مفتوحة فدعوته للجلوس حتى يحين موعد الافتتاح. لقد بدا لي منهكا إلى حد ما، لذا شكرني بلطف بعد أن جلس مستنشقا نفسًا عميقا.
تأملت هيئته جيدًا. كان يرتدي جاكت بدلة بسيط فاتح اللون فوق قميص وصديري دون رابطة عنق. أما البنطلون فغامق. كنت أعي جيدًا أنني أجلس آنذاك برفقة واحد من أكابر مصر ونوابغها، وأعلم أنه عاصر طه حسين حين كان طالبًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، بينما الدكتور طه يتبوأ منصب العميد.
سألني عن اسمي وماذا أفعل هنا، وما علاقتي بالمعرض، فلما أجبت أحسست أنه شعر باطمئنان نحوي، فلم أضيع وقتا، وبدأت أغمره بأسئلتي بأدب شديد، فسألته، وكنت متحيرًا جدًا في البحث عن إجابة: كيف تتذكر يا دكتور لويس التواريخ والأرقام التي تكتبها في مقالك الأسبوعي في الأهرام؟
فابتسم بلطف، ثم أخرج من جيب جاكت البدلة كتابًا صغيرًا باللغة الإنجليزية، وقال لي وهو يرفع الكتاب إلى أعلى:
- يا بني… الذاكرة خوّانة… لا يمكن أن أعتمد على ذاكرتي فقط، بل أعود إلى الكتب والمراجع باستمرار.
لاحظ من فضلك أننا لم نكن نعرف حينئذ الإنترنت وجوجل وكل هذه الثمار التكنولوجية الرائعة التي اخترعها العقل العلمي الغربي.
وعدت أسأله متى يحقق الكاتب عائدًا ماليًا معقولا من كتاباته، فرجع بظهره إلى مسند المقعد، وقال بنبرة لا تخلو من يأس:
- يا ناصر… من أسف كل أدباء مصر ومثقفيها حالتهم لا تسر، بمن فيهم نجيب محفوظ نفسه، ولولا جائزة نوبل التي تحصل عليها مؤخرًا ما تمتع الرجل باستقرار مالي مناسب.
- وهل محفوظ يستحق نوبل؟
كنت أعرف أنه انتقد بشدة “بين القصرين” عند صدورها عام 1956، فأجاب الدكتور:
- يستحق بكل تأكيد، رغم بعض الملاحظات التي كتبتها عن “بين القصرين”.
ثم بادرني سائلا:
- هل أنت متزوج؟
فلما نفيت بسبب الظروف المالية القاسية، طلب مني أن أبحث عن فرصة عمل لائقة في الخليج قائلا:
- أنت مازلت شابًا، فانطلق واجتهد، فالحياة بالغة القسوة.
بعد ذلك بنحو عشرة أعوام استعنت بكتابه المهم (تاريخ الفكر المصري الحديث) ضمن المراجع التي درستها وأنا أعد كتابي (تاريخ الرسم الصحفي في مصر) الذي حصد المركز الأول لجائزة أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى عام 1998.
السلام لروحك الطاهر وعقلك المنير يا دكتور لويس.










