ظل والدى الشيخ ـ يرحمه الله ـ يؤم الناس فى الصلاة سبعين عاماً ، فما تأخر إلا لسفر طارىء ، أو لمرض أقعده ، حتى عندما تخطى الثمانين من عُمره ، والسماء تُمطر بغزارة ، والأرض قد امتلأت بالماء الموحول ، وفى ظلام القرية الدامس ، كان يسحب عصاته ، ويلتحف بعباءته ، ويشعل فانوساً كبيراً ورثه عن والده ، وينطلق صوب المسجد لصلاة الفجر ، إماماً لكوكبة من المصلين لايتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة ، وما رأيته ـ قط ـ إلا مُرتلاً للقرآن الكريم ، أو يختم صلاته بالتسابيح والأوراد ، وقد يغشاه النعاس فيغفو ، لكن شفتيه لاتكفان عما اعتاد عليه ، وما ألزم به نفسه من التلاوة والأدعية !!.
أذكر ذلك ليس تباهياً ، ولو عاش وقرأ ذلك لعاتبني ولامني ، ولكن كتبته لواقعة دالة :
ففى ذات يوم ، وقد بلغ منه الكبر مبلغه ، وبينما كان يهم لإمامة الناس فى إحدى الصلوات ، إذا ب [ فرخ ] أهوّج موتور ، نبتت فى وجهه بعض الشعيرات المتناثرة الصفراء ، فظن نفسه الباقوري ، يندفع إلى القبلة ليؤم الناس مكانه ، دون استئذان منه ، مما حدا بأحد المُصلين بأن يجره من قفاه ، ويسحبه إلى الصفوف الخلفية ، ولولا تدخل الوالد الشيخ لرموا به خارج المسجد !! .
ولما سألت هذا [ الفرخ ] عن دافعه لما أقدم عليه ، قال بأن والدى لايصلح لإمامة الناس ، وأن ( إسلامه ناقص ) ، طيّب ناقص إيه ياننوس عين أمه ، قال بأن الوالد لايلتزم منهج السلف الصالح ، فى الملبس وإطلاق اللحية ، واستخدام السواك ، وأنه يتعجل فى الصلاة !! .
أيقنت ساعتها من أين يبدأ الإرهاب ، وأنه يكمن فى طيّات هذا الفكر الضال ، يحاول أمثال هذا المخدوع فرضها على الناس بالإلحاح تارة ، واستخدام النصوص فى غير موضعها تارة ، وتأويل تلك النصوص بما يخدم أغراضهم تارة أخرى !!.
الإرهاب يبدأ بالكلمة ، وينتهى بالرصاصة !! .
يبتدئ بالتفكير ، وينتهى بالتفجير !! .
وكل ما فعلناه نحن هو مواجهة ( الإرهابيين ) فقط ، أما مواجهة ( الارهاب ) نفسه فهى عملية أشمل وأكبر وأعمق ، وتحتاج إلى قناعة المجتمع كله بذلك ، الأزهر والكنيسة والنوادى الرياضية والتعليم والإعلام والفن والمثقفين والكُتاب والنُخبة ، ولانركن إلى مواجهته بالقوة المسلحة فقط ، فإنها تظل قاصرة عن القضاء على الظاهرة أو اجتثاثها من جذورها ، فالبذور مازالت كامنة فى نفوس الكثيرين ، وتنعكس في سلوكهم وتعاملاتهم اليومية !! .










