من أغرب التعبيرات التي لفتت انتباهي هذا التعبير” إتاوب ع الناموس”. فهو تعبير مكتوب بالعامية المصرية، وفيه أمارة من أمارات الفصحى، وظاهره لا يدل على شيء قريب من الفهم. والبحث عن باطنه المعنوي أو العقلي لا ينفك عن ظاهره الحسي. والظاهر والباطن في أمثال هذه التعبيرات يفضي بنا إلى ما يعرف بالتعبيرات الاصطلاحية مثل” عصا موسى”. وهي تعبيرات شائعة في كل اللغات لها سمت تركيبي لا يتغير ولا يحق للكاتب التصرف فيه لأنه حينئذ يفقد صفة التعبير الاصطلاحي. ومن أشكاله التركيبية: الشكل الفعلي والشكل الاسمي والشكل الإضافي. ومنه دلاليا ما هو مجازي وما هو استعارة تمثيلية، وما هو كناية.
وهذا التعبير الذي بين أيدينا تعبير على شكل جملة فعلية تخففت من شروط الصرف والإعراب فجاء فعلها فعلا دالا على الزمن الماضي، وقد يحمل صيغة الفعل المضارع. وهذا الفعل فعل لازم لا يتخطى إلى المفعول مباشرة وتعلق به حرف الجر الذي أصله” على” فصار في هذا التركيب “ع” والناموس ليس ناموس الكون بما يعني القانون أو ظاهرة كونية كشروق الشمس صباح من المشرق وغروبها مساء في المغرب، ولكنه البعوض الحشرة المعروفة التي تتكاثر على سطح المياه الراكدة وتلال النفايات وتهاجم الحيوان والإنسان هجوما شرسا فتؤذيه، وتعكر عليه صفوه وراحته.
والجملة بهذا الوصف الشكلي مازالت غامضة ولا يمكن فهمها في إطار هذا الوصف. فالفعل “إتاوب” هو تثاءب” أو “يتثاءب” والتثاؤب يدل على حالة الإنسان التي تسبق هرولته للنوم. وهذا التثاؤب علامة حركية على همود النشاط والركون إلى استراحة الحواس وقلة الوعي. وتبدو هذه العلامة أكثر ما تبدو على الوجه وحركة العينين وصعوبة نطق الكلام نطقا واضحا. وهذه الحالة تقع بين اليقظة الكاملة والنوم. فلا هي يقظة ولا هي نوم.
ومع وضوح هذه الدلالات يظل السؤال ما العلاقة بين التثاؤب والناموس؟ البحث عن إجابة هذا السؤال ينتقل بنا من الظاهر الحسي وهو البناء اللغوي إلى الباطن المعنوي أو العقلي. فالمتثائب لا تستبد به حالة النوم لأنه لا يقوى على أن ينام. ولو اقتدر على ذلك ما تثاءب مثلي ومثلك وأخلد إلى النوم مباشرة حين أتاه. ولكنه جائع جوعا وحشيا أجهز عليه. فتغيرت حالاته الجسدية والنفسية وافتقد إلى الوعي كما يفتقده من استبد به النوم. ولما انعدم الماء والطعام وصار كل منهما حلما بعيد المنال، انفتح فمه وحلقه بما لايقدر هو على إيقافه لعله يلتقط الهوام الطائرة ومنها الناموس أو البعوض. فلو هوى في حلقه عدد من البعوض ما خرج منه أبدا وتذوق طعمه والتذ به. فالبعوض الذي يؤذينا ونقاومه، طعام شهي للجائع جوعا وحشيا.
فهذا التعبير” إتاوب ع الناموس” أحد تعبيرات الكناية عن الجوع في عاميتنا المصرية، وهو أغرب التعبيرات دلالة على قسوة الجوع، وقسوة الإنسان على الإنسان. ويمثل زمنا من الأزمان الاجتماعية التي استبد فيها الفقر بالناس، ولم يجدوا ما يسد رمقهم إلا البعوض أو الناموس. وهم في هذا الزمن قعدوا عن العمل واكتساب القوت حتى خارت قواهم ووهن وعيهم وتضاءلت رغباتهم فلم يبق لهم إلا أن يفتحوا حلوقهم ليهوي فيها الناموس أو البعوض لعله يقيتهم.
وتعبيرات الكناية من التعبيرات الشائعة في تراثنا الشعبي والأدبي المعروف مثل أن يقولوا ” مالي هدومه” ويقصدون أن له حضورا وتأثيرا وليس إمعة. ويقولون عن المهزوم المكابر” يرفع الراية البيضا” كما يقولون عمن فقد تقدير الموقف المحيط به ” يدفن رأسه في الرمل” وبدلا من أن يقولوا عن المؤذي والشرير أنه هكذا يقولون هو” رأس الأفعي” وأخيرا يقولون” أم الدنيا” وأنت عزيزي القاريء المصري تعرف من هي أمك أم الدنيا.










