حتي الجو ، تمرد وتحجر قلبه ، وقست روحه ، وأقسم ألا نستمتع به يوماً واحداً !!.
فانقسم إلى شتاء زمهرير ، تتكسر فيه عظامنا من البرد في نَوّة تتلوها نَوّة ، وتتجمد دماؤنا في شرايينها ، أو صيف مُلتهب ، تسيح فيه المسامير في الأبواب وتنصهر ، وتتصدع الأدمغة ، وتهبط الشمس حتي تكاد تلامس الرؤوس ، وتنفخ ألسنة اللهب في وجوهنا ، فلايُفيد مُكيّف ولا تُجدي مَروحة !!.
وحتي نترحم علي أيام زمان ، في كل شئ ، عندما كانت هناك ( ساعة العصاري ) !!.
وساعة العصاري هي تلك المساحة الزمانية مابين العَصر والمغرب ، حيث تهبّ نسائم عليلة ترطب الهواء ، وتثلج الماء في القُلل المرصوصة في الصواني علي أسوار فارندات البيوت ، وفي فم كل قلة منها ليمونة ، أو قصفة ريحان أخضر يانع ، تعطر الماء ، عندما ينساب زلالاً نديّاً في الحلوق العَطشي !!.
ساعة العصاري ، حيث ينطلق الشباب الريفي زرافات كأسراب الحَمام عبر السكة الزراعية ، والسكة الزراعية هي الطريق الترابية المُمتدة بمُحاذاة النيل ، أو أحد فروعه ، يتجاذبون الحكايات ، ويتناقشون في الفلسفة والشعر والدين والعلم والتاريخ والسياسة والكرة ، وحيث تكون الفتيات ذاهبات لغسل الأواني في مجري النيل ، وتلتقي عيون العُشاق ، فتحمر الخدود ، وتتهيج المُهَج ، وتعلو دقات القلوب !!.
وربما ساقتهم أقدامهم إلى تلك الأبسطة الخضراء المُمتدة عبر حقول القرية القريبة ، فيحطوا رحالهم تحت شجرة توت ، أو مدار ساقية ، أو إلى جوار صفصافة تتدلي ضفائرها ، تداعب صفحة الماء في الترعة المغمورة !!.
ساعة العصاري ، تعبير بليغ صكه أهلنا البُسطاء في شهور الصيف ، مثل ساعة الشروق والغروب والشفق والغسق ، للدلالة علي طراوة الجو ، وهبوب نسيمه العليل ، فتنتعش النفوس ، وتخضر الأرواح ، ويبتهج الوجدان ، وتغمر الأفئدة أرقي أحاسيس الحب !!.
قولوا لي بالله عليكم ، أين راحت ساعة العصاري ، حتي الجو انقلب حاله ، وأعطانا ظهره ، ووجهه المكفهر الكئيب !!.










