هذا المقال يجمع بين التأمل والاعتراف .. وأؤكد في البداية احترامي التام للتمثيل كمهنة ينجح فيها المبدعون ولكن يشغل بالي ما يتظاهر به البعض من تأثر بحدث ما وهو غير صادق في هذا الشعور وبالتالي يخدع الكثيرين ..
على المرء أن يكون نفسه دائما وليس شخصا آخر وعلينا أن نمنع هذه الظاهرة منذ الطفولة، على سبيل المثال : لا نستسلم لبكاء الطفل ونحن نعلم أنه غير حقيقي ويهدف فقط للتأثير .
صدق عميد المسرح الراحل يوسف وهبى.. عندما كان يؤكد بصوته الجهورى.. وما الدنيا إلا مسرح كبير.. نعم عبارة بليغة تكشف عن حقيقة ناصعة تتخلل رحلة الحياة.. مهما كانت وظيفتك أو مسئوليتك.. أو مكانتك.. أو النضج الذى حققته شخصيتك فأنت فى معظم الأحيان.. متعدد الأدوار والشخصيات التى تظهر بها نهارًا أو فى آخر الليل وقبل أن تلجأ للنوم.. تستعيد غالبًا شخصيتك الرئيسية.. مشاعرك وأحاسيسك ودقات قلبك ومشاغل عقلك تصحبها معك فى أحلامك ورؤياك ينزاح عنها أعباء النهار.. وصراعات التنافس.. وحتى كلمات الاعتذار تطفو على السطح.. تعبر عن نفسها وتفرج عن أحلامها.
للأسف كل يوم تضيع الفرصة أو تؤجلها إلى يوم آخر.. ثم تأخذنا مشاغل الحياة وأحداث المسرح الكبير عن اتخاذ القرار المطلوب للعودة إلى البساطة والأصالة.. ونكتفى أحيانا بآهات من القلب مصحوبة بعبارة الأجداد على الأصل دور يا إنسان ولعل أكثرنا راحة بال فى هذا التكدس الدرامى اللى بالمضحكات والمبكيات.. هو الإنسان الذى احترف مهنة التمثيل.. فى فنون الدراما.. يقرأ الأوراق.. «النص» عامود الخيمة فى العمل الفنى يستمع إلى توجيهات المخرج.. يندمج مؤقتًا فى الشخصية التى يقدمها للمشاهدين.. يعلق على سلوكه الشخصى وعاداته وتصرفاته.. سماته والستار.. حتى ينتهى دوره المرسوم ويسدل الستار على خشبة المسرح.. أو يقول المخرج «فركش» لينصرف الجميع يسعدون بتصفيق الجماهير.. لكنهم وبعد الممارسة يستطيعون وحدهم تقريبًا.. بعد إزالة المكياج واستبدال زى الدور بملابس عادية للخروج.. يعودون إلى منازلهم وأسرهم بشخصيتهم الحقيقية.. والدليل ما يحكيه المقربون منهم عن سلوكيات وتصرفات إنسانية مختلفة تمامًا تأتى فقط بعد الخروج من حالة التقمص.. المنبع الرئيسى للاشادة والاعجاب أو اللوم و الانتقاد.
ببساطة شديدة ادعوكم ونفسى للوقوف أمام المرآة.. قبل الخروج لأداء مهمة أو غرض ما.. أو حتى لقاء مع صديق غزيز.. لا اتحدث عن اختيار ملابسك.. ولكن انظر إلى داخل نفسك.. كيف يتحرك نبع الابداع الدرامى بداخلك وأنت تحاول تعويد النفس على رد فعل متوقع.. سعادة.. نجاح.. فرح.. تأدية واجب.. مغامرة جديدة.. إلقاء محاضرة.. الحديث فى محفل عام.. لقاء مع الاحفاد.. جلسة عتاب.. وشكوى.. أو سهرة سمر.. أو تخطيط لمشروع جديد وغيرها وغيرها تجهز نفسك للتوقعات والاحتمالات.
الأسلحة الحقيقية التى تساعد الشخصية الحقيقية على الظهور تتلخص فى لحظات فارقة فى الإلهام والنجاح.. وحتى الحزن الصادق والوداع لعزيز قبل الأوان.. ساعتها فقط تتحرر الشخصية من قيود الأداء التمثيلى التى تراكمت على مر الأحداث والسنين.. بعضها يتناوب معارك والآخر هدايا تلقائية من شركاء مشوار العمر..آباء وأمهات.. زملاء دراسة.. أصدقاء.. حكماء.. شخصيات مؤثرة على كل المستويات.. قدوة ابهرت الجميع.. الصالحون.. فاعلو الخير الذين يمسحون دموع اليتيم.. حتى الشخصيات السلبية والمعتمدة على العنف قد يكون لها مساحة فى هذا التأثير.. ولكى تكون نفسك وتسترد شخصيتك وتتمسك بها.. الطريق متاح.. لأصحاب الإرادة واثقى النفس.. يحملون الحلم الرشيد.. تعودوا على المواجهة بالشجاعة والصبر والإيمان بالقدر.. وتعلموا الانطلاق بأرضية صلبة.. ونفس طيبة وضمير يقظ.. لا يخدعهم السراب.










