بين ترابٍ وصدأ، عظام نخرة ، وخوذةٍ تعانق جمجمة كأخر ما تبقّى من هويةٍ ضاعت في الدخان.
بندقيةٌ تمتد نحو الأفق، صامدةً بلا إصبعٍ يضغط الزناد، شاهدةً على أن الحرب لا تنتهي حين تصمت المدافع، بل حين تبتلع الأرض صرخات الجنود.
هنا يموت الفرد ليعيش الجمع، وتُمحى الملامح ليُرسم النصر على جدران القصور.
هنا يتحوّل الإنسان إلى أداةٍ في معركةٍ لا يعرف لها سببًا، سوى أن القادة يحتاجون إلى دمٍ جديد ليكتبوا به خطاباتهم.
آه حين يكون الموت ممر ا وحيدا إلى حياة الآخرين؟
يموت الجندي ليُعمَّد القائد بالنصر، وتتحوّل العظام إلى سلّمٍ يصعدون عليه نحو السلطة والثروة.
يموت كي تبقى الأناشيد عالية، بينما يظل هو في قاع حفرةٍ لا تحمل اسمه.
الصورة ليست مجرد رفات…
إنها مرآة.
تضعنا أمام سؤالٍ مُر: لمن يُهدى الموت؟
هل هو للوطن الذي لم يعرف وجوه من رحلوا؟
أم للقادة الذين يرفعون الكؤوس في احتفالاتٍ بعيدة، دون أن يتذكروا أن النخب الأولى كان لونها دمًا؟
الجندي هنا، رغم موته، هو الحقيقة الوحيدة الباقية.فاضحا زيف التاريخ، كاشفا أن النصر لا يُكتب بالحبر، بل بالعظام.
كل ما عداه عابر: الخطابات، البيانات، الأغاني، حتى القصور… كلها ستنهار.
أما هو، فسيظل شاخصًا من تحت التراب، يبتسم في وجه الأبدية:
ليقول إن الحرب لم تكن أبدًا انتصارًا، بل خسارةً مكتوبة باسم آخر.










