شهد الدَّين الخارجي لمصر زيادة كبيرة ليصل إلى 165 مليار دولار نهاية يونيو 2023 مقارنة بـ34 مليار دولار تقريبًا في 2012 (البنك المركزي المصري، 2024). ومؤخرا، فازت الحكومة بتدفقات دولارية من الاتحاد الأوروبي موزعة على شكل قروض واستثمارات ومنح تقدر بـ8.06 مليار دولار تقريبًا على مدى 4 أعوام (EU, 2024). وقبلها اتفقت الحكومة مع دولة الإمارات على استثمارات مباشرة في منطقة رأس الحكمة على البحر المتوسط تقدر بـ35 مليار دولار.
ساهمت القروض والمنح السابقة في توافر العملة الصعبة ما قلل من الضغط الشعبي على الحكومة المصرية. لكن لم تحل التدفقات الدولارية أزمات المواطنين وعثراتهم في الحياة اليومية. وأظهرت أزمة الاقتراض واستخدام السيولة الجديدة لسداد ديون سابقة والحصول على قروض جديدة-ما يعرف بترقيع الديون-، أن الديون الخارجية تصل إلى المواطن في صورة تضخم يرفع أسعار السلع والخدمات ويحدث تآكل في مدخراته. تأتي التدفقات بشروط من الجهات المانحة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي. وهي شروط توسعت الحكومة على إثرها في سياسة الخصخصة وتقليص الدعم في عدة قطاعات، وآخرها زيادة سعر رغيف الخبز 400%.
وبالرغم من ذلك، أجل صندوق النقد الدولي صرف دفعة جديدة قدرها 820 مليون دولار من قرض مصر بعد تأخر القاهرة في تنفيذ بعض القرارات المتفق عليها بين الطرفين – في الأغلب متعلقة بزيادة أسعار المحروقات والكهرباء- ( IMF, 2024؛الحرة، 2024). يؤثر استخدام الحكومة للدخل الدولاري في سداد الديون الخارجية بالسلب على استيراد الحاجات الأساسية للدولة، وزيادة أسعارها محليا بفعل نقص المعروض منها. وجاءت معدلات التضخم التي وصلت إلى 35.2% نهاية 2023 كنتيجة لتأثير زيادة الديون والحاجة لسدادها ونقص العملة الصعبة.
ورغم أن سياسات الحكومة المصرية التي أوصلتنا إلى الوضع الاقتصادي الحالي لم يكن المواطن شريكًا فيها. حيث لم تتم الدعوة لأي حوار مجتمعي حولها. لكن السنوات التي تلت 2014 تحديدًا ومنذ ارتفاع صوت الإصلاح الاقتصادي تغيرت حياة المواطن المصري اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وأثرت الديون وخدماتها في جميع مظاهر الرفاهية البسيطة جدًّا الذي يحصل عليها المصريون. يلقي المقال الضوء على التغيرات التي حلت على حياة المواطن بسبب الديون الخارجية وخاصة فيما يتعلق بأنماط إنفاقه. ويقارن بين زيادة الدَّين الخارجي وانخفاض جودة الحياة ومستقبل هذا الوضع في ظل استمرار أزمة دفع الديون لسنوات مقبلة.
تصاعد الديون من 2014 حتى 2024
بالنظر إلى حجم الدَّين الخارجي الحالي، نجد أن الطفرة في أرقامه حدثت خلال الـ10 سنوات الأخيرة ليصعد من 46 مليار دولار في 2014 إلى 165 مليار دولار في 2023. في 2011 مثلًا وهو عام الثورة كان الدَّين الخارجي 34 مليار دولار، وخلال 3 سنوات شهدت خلالها البلاد اضطرابات سياسية زاد الدَّين 9 مليارات فقط، فوصل إلى 43 مليار دولار في 2013. يناقض هذا التصريحات السائدة بأن هذه الفترة كانت السبب في إثقال مصر بالديون الخارجية. الشكل 1: مصر سددت 103 مليار دولار ديونًا في 10 سنوات منها 28 مليارًا فوائد و74 مليارًا أقساطًا المصدر: البنك المركزي المصري. النشرة الإحصائية الشهرية. أعداد متفرقة.
تسود بعض الأفكار بأن الديون ليست مشكلة وأن دولًا كثيرة “غنية” لديها حجم ديون كبير جدًّا مقارنة بمصر. يتجاهل هذا الرأي قدرات هذه الدول الاقتصادية وحجم الناتج القومي فيها وقوتها التصديرية. تتأزم الحالة في مصر حيث إن حجم الدَّين يعادل 40.3% من الناتج المحلي للبلاد (البنك المركزي المصري، 2024).
وتقدر الأموال التي تسددها مصر خلال عام 2024 من الديون بـ32.8 مليار دولار. ولتصور مدى تأثير حجم الديون في للتعرف على ما تدفعه مصر سنويًّا كفوائد للديون فقط. والأزمة الأكبر وإحدى مشكلات هذه الديون أنها لم تساعد مصر في التنمية الاقتصادية، لكنها كانت تدخل البلاد للإنفاق على أصول لا تدر دخلًا نقديًّا مثل الطرق والعقارات في المدن الجديدة بدلا من ضخها في استثمارات منتجة
ديون تحرم المواطن من الدعم والصحة والتعليم
نتيجة عمليات الاقتراض المتتالية وشروط المؤسسات الدولية لإعطاء مصر القروض، خفضت الحكومة الإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية استجابة لهذه الجهات المانحة. يوضح الشكل (2) الفارق بين نسبة فوائد الديون إلى إجمالي الإنفاق الحكومي خلال 10 سنوات وزيادتها وصولًا إلى 37.4% بينما تنخفض نسبة الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في المقابل. الشكل 2: فائدة الدين مقابل الإنفاق المصدر: البيان التحليلي لمشروع الموازنة العامة. أعوام 2018/2017 و2024/2023; حسابات الباحث. وعلى خلفية أعباء خدمة الدين، قامت الحكومة بتقليل الإنفاق على الصحة والتعليم كما في الشكل (3). ويأتي هذا التراجع بالمخالفة للنص الدستوري للمادتين 18 و19 الذي يلزم الدولة بإنفاق 3% من إجمالي الناتج القومي الإجمالي على الصحة و4% على التعليم، وتصاعد النسبة تدريجيًّا لتتوافق مع المعدلات العالمية (دستور 2014).
رغم مرور قرابة 10 سنوات على إقرار الدستور لا تزال نسب الإنفاق على التعليم والصحة أقل كثيرًا من الاستحقاق الدستوري بل زاد الوضع سوءا حين نتعقب تراجع نسب الانفاق بين عامي 2015/2014 و2024/2023. الشكل 3: نسب الإنفاق على التعليم والصحة من إجمالي الناتج المحلي والإنفاق الحكومي العام المصدر: البيان التحليلي لمشروع الموازنة العامة. أعوام 2018/2017 و2024/2023; حسابات الباحث.
أثر تغير سعر الصرف في مدخرات المواطنين
أثرت زيادة الديون الخارجية والضغط على النقد الأجنبي لسدادها في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه. تدخل البنك المركزي المصري في نوفمبر 2016 من أجل تعويم الجنيه، ما أدى إلى تناقص القوة الشرائية للدخول، ورفع المستوى العام لأسعار المنتجات والخدمات المحلية. وتسبب انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع التضخم في تراجع مستوى معيشة الأفراد، وارتفاع نسبة الفقر (نور الدين ومحمد، 2018). تفاقم الاعتماد على السوق السوداء في بداية 2024 حين ارتفع سعر صرف الدولار غير الرسمي لأعلى معدلاته، بنسبة 50٪ زيادة عن البنوك وتآكلت مدخرات المصريين.
فإذا افترضنا أن مواطنًا مصريًّا لديه مليون جنيه كمدخرات في يناير 2016، ويحتفظ بها في أحد البنوك، فقد تغيرت قيمة ما لديه من أموال عدة مرات مع خمس تعويمات شهدتها البلاد حتى فبراير الماضي تراجع المدخرات مع تعويم الجنيه (مليون جنيه) المصدر: قرارات البنك المركزي المصري; وحسابات الباحث.
الرفاهية القليلة تكاد تنعدم
رغم أن مصر دولة نامية عانت من الديون الخارجية خلال فترات طويلة من تاريخها الحديث (محمد، 2020) فإن السنوات الأخيرة، أثرت بشكل ملحوظ في حياة المواطن العادي. وساهمت زيادة الديون وأعباء خدمتها في ارتفاع نصيب الفرد من الدَّين الخارجي بالدولار من 506.4 دولار عام 2014/2013 إلى 1446.3 دولار في 2023/2022 (البنك المركزي المصري، 2023). أدت سياسة الاستدانة وتعويم الجنيه المصاحبة إلى زيادة غير مسبوقة في الأسعار توقف معها المواطنون عن شراء بعض السلع الأساسية، مع إلغاء بنود استهلاكية بشكل كامل، والمفاضلة بين الطعام والملبس. وراجت السلع رديئة الصنع،
حيث يبحث المواطن عن السلع الأقل سعرًا بغض النظر عن تأثيرها في صحته على المدى الطويل، كما زاد الشراء بالتقسيط واللجوء إلى القروض وسحب المدخرات (إحسان، 2023). ارتفع انتشار الغذاء الرديء وانخفضت نسبة الأسر المستهلكة للطعام من 12 مجموعة غذائية إلى 5.3% من 8.4% وتراجع التنوع الغذائي الذي تحصل عليه هذه الأسر بين أعوام 2015 و2018 (الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، 2022).
وعلى سبيل المثال، نجد أن متوسط نصيب الفرد من اللحوم الحمراء التي تمثل بندًا مهمًّا للمصريين كمصدر للبروتين الحيواني تقلص إلى 8.4 كجم/سنة عام 2019، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بضرورة استهلاك 25.5 كجم/سنة منها للفرد (قطب وعويضة، 2021). يعيش 65% من إجمالي عدد الأطفال في عدة دول بينها مصر في فقر غذائي شديد (يونيسيف، 2024) لعدم قدرة أسرهم على تحمل تكاليف الوجبات المغذية، كما لا تستطيع أنظمة الحماية الاجتماعية الحالية الوصول لغير القادرين. ويظهر ذلك أكثر في استغناء الأسر عن طبق السلطة لزيادة تكلفة مكوناته بما لا يجعله مناسبا للدخول المنخفضة رغم الحاجة الملحة له كمكون غذائي هام (مدى مصر، 2024). يقدر البنك الدولي أن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة مئوية واحدة يدفع نصف مليون شخص إلى الفقر (Laborde et al., 2019). وحسب دراسة قام بها المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (2024)، قللت 70% من أصل 6000 أسرة مصرية شاركت في الاستطلاع استهلاكها من اللحوم والبيض والدجاج نظرا لارتفاع الأسعار ولجأت 50% من الأسر إلى تناول كميات أقل من الطعام. وخفض الأهالي الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية بنسب بين 25 و50%. كما قامت ما بين 5 إلى 10% من الأسر ببيع سلعهم المنزلية أو أصول كانوا يحتفظون بها كمدخرات لمواجهة الزيادة في الأسعار.
خاتمة
تفاقمت أرقام الدَّين الخارجي وزاد العبء السنوي على ميزانية الدولة من أجل سداد أجزاء منها بالإضافة إلى الفوائد، وأدت شروط هذه المديونية إلى تخفيض العملة أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، ما رفع أرقام التضخم وبالتالي أسعار السلع والخدمات إلى مستويات غيرت في أنماط استهلاك المصريين. ولم تؤثر القروض والاستثمارات الجديدة خلال 2024 في تحسين مستويات معيشة المواطنين بقدر ما أدت إلى حل مشاكل الحكومة نفسها فيما يتعلق بجذب التدفقات الدولارية التي تستنزف في خدمة الدين.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










