نظمت الصين عرضاً عسكرياً ضخماً بمناسبة الذكرى الـ80 لانتصارها على اليابان في الحرب العالمية الثانية، مؤكدة على قوة دفاعها ورفض التنمر. العرض تضمن أسلحة نووية وتقنيات متقدمة، وأكدت الصين أن الهدف هو حماية سيادتها ومنع الحروب.
واستعرضت الصين في العرض العسكري الأضخم في تاريخها أحدث أسلحتها من صواريخ باليستية ودبابات وطائرات مسيرة، وحلّقت الطائرات المقاتلة في تشكيلات جوية فوق ميدان تيانانمن. وشهد العرض إطلاق 80 ألف حمامة سلام وبالونات ملوّنة، في رسالة رمزية للسلام.
فقد تم عرض طائرات ومقاتلات من الجيل الرابع ومركبات مضادة للطائرات دون طيار، وصواريخ بالستية متطورة، تفوق سرعة الصوت، وذلك في حدث ضخم ضم أول مشاركة للزعيم الكوري الشمالي مما يعكس أهمية المناسبة من جهة، والدلالة السياسية المتزايدة للعلاقات الصينية الكورية الشمالية من جهة أخرى.
رغم حضور قادة روسيا وكوريا الشمالية، لم يُعقد تكتل ثلاثي رسمي، وردت الصين على اتهامات التآمر بأنها تطور علاقاتها دبلوماسياً دون استهداف طرف ثالث.
يُمثل يوم النصر أول عرض جماعي للمخطط الجديد لهيكل قوة الجيش الصيني، وبعد تعميق الإصلاحات والتحديث الشامل في الجيش، تم تشكيل هيكل جديد للخدمات والأسلحة العسكرية.
أن الشعب الصيني: «يقف بحزم في الجانب الصحيح من التاريخ». وتفقد شي وهو يستقل سيارة مكشوفة، القوات والمعدات العسكرية المتطورة ومنها صواريخ ودبابات وطائرات مسيرة. وحلقت طائرات هليكوبتر تحمل رايات كبيرة وطائرات مقاتلة في تشكيلات خلال العرض الذي استمر 70 دقيقة مليئة بالرمزية والدعاية التي بلغت ذروتها بإطلاق 80 ألف حمامة سلام وبالونات ملونة.
أن ما جرى لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل كان فعلًا استراتيجيًا بامتياز له دلالات مهمة. فقد حمل رسالة مركبة تمزج بين القوة العسكرية والتموضع الدبلوماسي وإعادة كتابة السرد التاريخي، بحيث تُوجَّه إشاراته، إلى الداخل الذي يبحث عن الثقة والفخر، وإلى الخارج الذي يتابع باهتمام رسائل الردع القادمة من بكين.
كما قدمت بكين أسلحة جديدة تعتمد على الليزر العالي الطاقة، القادر على إطلاق أشعة مركّزة لتدمير الطائرات المسيّرة الصغيرة أو تعطيلها على الفور، بتكلفة أقل بكثير من الصواريخ التقليدية. وإلى جانب ذلك، ظهرت أنظمة حرب إلكترونية تعمل بالموجات الميكروية، وهي موجات كهرومغناطيسية قادرة على تعطيل أنظمة التحكم في أسراب المسيّرات، مما يفقدها الاتصال أو التوازن ويجعلها غير فعّالة.
يحمل العرض العسكري الصيني الذي أقيم في بكين يوم 3 سبتمبر 2025، بمناسبة الذكرى الـ80 لانتهاء الحرب العالمية الثانية (التي تُعرف في الصين بـ”حرب المقاومة ضد الغزو الياباني”)، رسائل واضحة ومباشرة موجهة إلى الغرب بشكل عام، وخاصة الولايات المتحدة. هذا العرض لم يكن مجرد احتفال تاريخي أو عرض للقوة الداخلية، بل كان حدثًا مدروسًا جيوسياسيًا يهدف إلى إرسال إشارات تحذيرية وتحديًا للنظام العالمي الحالي الذي يقوده الغرب. سأشرح ذلك خطوة بخطوة بناءً على التحليلات والتقارير المتاحة، مع الاستناد إلى مصادر متعددة تمثل وجهات نظر غربية وصينية ودولية لضمان التوازن.
أولا: السياق السياسي والتاريخي
العرض العسكري، الذي شارك فيه أكثر من 12,000 جندي من الجيش الشعبي للتحرير (PLA)، وشمل أكثر من 100 طائرة ومئات المركبات البرية، كان الأكبر في تاريخ الصين منذ عام 2015. ركز على عرض أسلحة متقدمة جديدة، مثل الصواريخ الباليستية بعيدة المدى (مثل CJ-20A)، الطائرات بدون طيار تحت الماء (AJX002)، أسلحة الليزر، والصواريخ الفرط صوتية المضادة للسفن، بالإضافة إلى كلاب روبوتية وطائرات مقاتلة من الجيل الخامس (مثل J-20).
• حضر العرض قادة من 26 دولة، معظمها غير غربية، وكان الأبرز فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقائد كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ورئيس إيران مسعود بزشكيان، وغيرهم من الدول المعرضة للعقوبات الغربية. هذا الاجتماع الأول للثلاثة قادة معًا في العلن يُعتبر “محور الاضطراب” (Axis of Upheaval) كما وصفته وسائل إعلام غربية، وهو يعكس تحالفًا ضد النظام الغربي.
في حين غاب قادة الغرب تمامًا (مثل الولايات المتحدة، أوروبا الغربية، اليابان، الهند، وكوريا الجنوبية)، مما يبرز الانقسام العالمي. رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسخرية على منصة Truth Social قائلًا: “أرجو أن تقولوا تحياتي الحارة لفلاديمير بوتين وكيم جونغ أون بينما تتآمرون ضد الولايات المتحدة”، مما يؤكد أن الرسالة وصلت.
ثانياً: التحدي للهيمنة الغربية
التحدي للهيمنة الغربية والأمريكية والنظام العالمي على وجه الخصوص فإن الرئيس شي جين بينغ في خطابه أكد أن العالم يواجه “خيارًا بين السلام والحرب، والحوار أو المواجهة”، ووصف الصين بأنها “أمة عظيمة لا تخاف التنمر”، في إشارة مباشرة إلى الولايات المتحدة وحلفائها. هذا يعكس رؤية شي لـ”نظام عالمي جديد” يقوده الصين، يركز على الاستقرار والأمن الوطني والتنمية الاقتصادية، مقابل “الهيمنة والسياسات القوية” الأمريكية. التحالف مع بوتين وكيم يُظهر أن الصين تبني محورًا بديلًا للناتو، خاصة في ظل الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط.
وشارك في الحدث أكثر من 10 آلاف جندي ومئات الطائرات والعربات العسكرية بالإضافة إلى قوات حفظ السلام الصينية العاملة ضمن بعثات الأمم المتحدة.
الصين التي تقول للقاصي والداني أنها قوة عالمية لا يمكن تجاوزها وهو تحذير للخصوم وطمئنة للحلفاء أنها الحليف الاقتصادي الأمن، رسائل أغاضت واشنطن فسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتهام الرئيس الصيني و الروسي و الكوري الشمالي بالتآمر على بلاده.
الصين ـ كما قال بينغ ـ تريد نظامًا عالميًا جديدًا بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، ولتحقيق ذلك فهي بحاجة إلى إظهار القدرات التي تمكّنها من بلوغ أهدافها. غير أن الجمع بين الخطاب السياسي وعرض القوة العسكرية في آنٍ واحد يحمل دلالات عديدة في ديناميكية النظام الدولي.
في العرض العسكريّ، أظهرت الصين أنها لم تعد تلك الدولة التي تقلّد تكنولوجيا الغرب فقط. بل أصبحت دولة مبتكرة للتكنولوجيا. أصبحت دولة مع جيش هو الأضخم في العالم عدداً، مع قدرة على تصنيع السلاح الملائم لحروب القرن الواحد والعشرين، وفي كل المجالات، بما في ذلك إنتاج واستعمال الذكاء الاصطناعي، في السلم كما في الحرب، في حال وقعت الحرب. ولأن الصورة مهمة للصين، فإنها تبني اليوم مركزاً للقيادة العسكرية خارج العاصمة بكين يوصف بأنه أكبر من مقر البنتاغون بـ10 مرات.
لم يكن العرض العسكري الصيني الأخير مجرد استعراض للقوة أو استعراض روتيني كما اعتادت الجيوش الكبرى أن تفعل، بل جاء محمّلًا بدلالات استراتيجية تتجاوز حدود الصين الإقليمية، لتصل إلى عمق النظام الدولي برمّته. فالمشهد الذي تابعته عواصم العالم لم يكن مجرد استعراض لصواريخ عابرة للقارات أو طائرات مقاتلة متطورة، وإنما كان رسالة سياسية واضحة تقول: إن بكين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل باتت لاعبًا محوريًا في صياغة معادلات القوة العالمية.
هذا العرض العسكري يمكن اعتباره إعلانًا عن ولادة “الإمبراطورية الصينية الجديدة” في ثوبها الحديث، قيادةً لتحالف شرقي آخذ في التشكل، يضم روسيا وكوريا الشمالية، ويستند إلى مرتكزات عسكرية واقتصادية وأيديولوجية مشتركة. وهو تحالف يقدَّم كبديل أو كوازن أمام المنظومة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ومن هنا، لم يكن العرض العسكري الصيني مجرد حدث محلي، بل محطة فارقة في مسار التحولات الدولية الكبرى.
لقد خرجت بكين عبر هذا المشهد لتعلن أن مرحلة “أحادية القطبية” التي سادت منذ تسعينيات القرن الماضي قد بدأت في التراجع، وأن العالم يدخل فعليًا طورًا جديدًا من التعددية القطبية، حيث تتوزع مراكز النفوذ بين قوى عسكرية واقتصادية صاعدة. فالصين لم تعد تقبل بدور “المصنع العالمي” تحت المظلة الأمريكية، بل تسعى لتكون قطبًا مستقلًا يقود، إلى جانب حلفائه، إعادة تشكيل النظام الدولي عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا.-
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










