الأديبة فاكية صباحي ،هي أديبة وشاعرة جزائرية شهيرة ولها السبق فى مواضيع شتى بفنون اللغة والأدب. ردها على أقصوصة قهوة المساء يمثل تحفة فريدة في الفكر والأدب، وتعكس قدرتها الكبيرة على التحليل والنقد الأدبي.
كتبت تقول الاديبة:
”قهوة المساء” قطعة قصصية قصيرة بامتداد وجداني عميق.. تحمل جمالا شفيفا، وحزنا مهيمنا على ذات يُؤرقُها وفاؤها.. إذْ يُمكننا قراءتها من عدة زوايا:
فإذا تأملنا البنية السردية نجد بدايتها تنطلق هادئة من الروتين اليومي للبطلة: الاستعداد لشرب القهوة.. الزينة.. العطر.. الفنجانان المخصصان لشخصين.. وبذلك تسير السردية في خط تصاعدي نحو لحظة اللقاء المنتظر.. ثم يكسر الأديبُ أُفُــقَ توقُّـعِ القارئ بالانعطاف المدهش: فالرفيق المنتظَر رحل منذ أمد بعيد ولم يترك سوى صدى صوتِه المتخيَّـلِ عبر الهاتف..
ومن هنا تتضح رمزية الفنجانين ودلالتهما بعدما أصبحا سمةً للوفاء والاستمرارية.. فهما لا يفترقان رغم غياب أحد الطرفين ليتحولا إلى جسر خفي بين الحاضر والماضي، وميثاق عهد بين قلبين.. وهذا ما يدل على أن اللقاء المعنوي المحسوس أعمق وأبقى من اللقاء المادي الملموس..
أما الساعة الذهبية التي لا تدور عقاربها: فهي كناية عن الزمن المتجمد في ذاكرة البطلة بعد لحظة الفقد، واستحالة إصلاح العطب النفسي، في حين تبدو القهوة وكأنها ليست مجرد مشروب مزاجي بل هي طقس تواصلي، وعاطفي في آن.. ووسيلة لاستحضار الراحل.. وعقد نفساني آخر لا فكاك منه..
وتبقى الحديقة بحركتها رمزا للحياة المستمرة خارج البدن المعطوب داخليا.. بينما ظلت البطلة عالقة في طقسها الخاص الذي لم تغيره الظروف المحيطة بها رغم جمالها..
وإذا عرجنا على الجانب النفسي نلاحظ أن القصة تعكس حالة إنكار في لحظة تعايش مع الفقد.. حيث مازالت البطلة تلبس ثوب انتظار الغائب وكأن الموت لم يقطع حبال الوصل، وقد عززها(أي حبال الوصل) ذلك الهاتف الذي لم يكن سوى صدًى للذات، وتخييل وجداني يملأ شقوق الذاكرة، ويحميها من الانهيار..
ومن هنا ندرك أن التدرج الهادئ للسرد يجعل القارئ يعيش الوهم مع البطلة حتى النهاية.. ثم تأتي الصدمة.. أو الصعقة لتقلب المعنى رأسا على عقب بلغة مشبعة بالتفاصيل الحسية( العطر، الفنجانان المرآة..) مما يُعمِّقُ واقعيةَ المشهد ويُجسدُها أمام عيني القارئ، ويجعل المفاجأة أكثر وقعا..
وتأتي النهاية مفتوحة على الدهشة والحزن، حيث أغلقتْ دفتي القصة من حيث الحدث، لكنها تركتْ القارئ أمام صورة نادرة عن الإخلاص الذي يتجاوز الموت.. ليتحول ذلك اللقاء الوهمي إلى ملاذ روحي..
أخيرا يمكننا أن نطرق الجانب الوجداني، أو الانفعالي العاطفي لهذه القصة التي تثير في المتلقي شجنا عميقا.. لأن البطلة تعيش لحظة وفاء مطلق لتتحول إلى أسيرة مرض صامت.. فهناك تذبذب واضح بين الرغبة في الحياة التي تستقبلها كل صباح بزينتها، وبين الموت الذي كانت تتطلع إليه عبر المكالمات الهاتفية الوهمية، وهذه الازدواجية تحمل ملامح ثنائية قطبية بين الأمل في الحضور، وبين الحزن في الغياب بعد الصدمة.. فالبطلة لم تتجاوز جرحها لتبقى تراوح مكانها وهي تكرر الطقوس ذاتها دون وعي منها..
ومن هنا يمكننا القول إن ”قهوة المساء” ليست مجرد قصةٍ تروي حنينا عابرا.. بل هي نص عن إنسان يرفض الاعتراف بنهاية شقه الثاني.. فيبني لنفسه عالما موازيا يعيش فيه ليتحدى الفراق، ويرسم ملامح اللقاء من الظلال والأخيلة.. إنها صورة لطقوس روحية تحاولُ صاحبتُها الحفاظ على بقايا التوازن الروحي الذي نثرته ريح الفقد..
بوركت أستاذنا الكريم الفاضل.. وتقبل مني دائما مفردات التقدير والثناء










