.في سيرته الذاتية والتي تضمنت تأريخا فائقا الدقة لحياته الثرية العطاء والأحداث والتي توجها بنجاحه وتفوقه وتألقه ، والتي تضمنها كتابه “رجال غيروا مجرى حياتي” سطر العراقيا.د. العميد أ . د نصيف جاسم الدليمي والذي يتولى عمادة كلية الفنون عميد كلية التربية الفنية في جامعة بابل ( 1988-20019) ، عميد كلية الفنون الجميلة جامعة البصرة ( 2001-2003) ، والأستاذ الإخراج والتمثيل بقسم الفون المسرحية كلية الفنون جامعة بغداد درسا غاية في الأهمية للجميع وللشباب خاصة متناولا الفرصة والحظ بالتفنيد ليضع كل إنسان أمام مسؤوليته تجاه نفسه واستثمار قدراته والكف عن البكاء والتباكي ولعن الحظ وقل الفرص أو ضياعها .
والزمن هو وجه التاريخ والتاريخ لا يعيد نفسه، وإن ظننت بأن الفرصة تجلت أمامك مرة أخرى في زمن غير الذي جاءتك فيه ولم تستطع اقتناصها آنذاك فسيكون ظنك مجانبا للصواب لأنك إن دققت عناصرها وزمن عودتها وظروفك التي تغيرت ما بين التأريخين ستجدها بالتأكيد فرصة أخرى غير التي مرت بك سابقا وإن تشابهت ملامح الفرصتين والفرصة لكي يكتمل نضوجها وتعطي ثمارها لا بد لها ان تمر بمراحل حضانتها الطبيعية والجوهرية التي تجعل منها تجربة مفيدة منتجة والتي تتطلب وجود عناصر ثلاث تضع جميع عوامل الصدفة فيها تضعها في مجال التخطيط والبرمجة العلمية لترسيخ مبدأ تحويل الأفكار العائمة الى مفاهيم محددة وفاعلة تتسم بالواقعية وتحقق مجالا مضمونا لجني ثمار تلك التجربة.
ومن أهم مراحل تحويل الفرصة إلى تجربة:
أولا: اقتناص الفرصة:
إن عملية اقتناص الفرصة لا تأتي بالشطارة والجرأة والإقدام وحسن استثمار الوقت فحسب، وإنما يجب أن تتوفر الى جانب كل ذلك المؤهلات والاستعدادات والظروف المناسبة والرغبة والموهبة كل ذلك يجب أن ينتظم في مفاعل حيوي متحرك تتفاعل فيه كل تلك العناصر لتولّد قرارا حاسما في التعامل مع تلك الفرصة وتحويلها من العام الى الخاص من الصدفة إلى التنظيم تحت تأثير كل تلك العوامل التي تتظافر في صناعة موقف تاريخي تتحدد من خلاله كل عناصر قوتك وفرض أهليتك لنيل تلك الفرصة أنت بالذات دون سواك. ومقولة ما ليس لك لن تناله والذي لك لن يناله غيرك تنطلق من هذا المفهوم ومبنية على هذه الحقيقة وهي إنك لن تنال فرصة لست مؤهلا لها من الناحية العلمية أو المهنية والعكس صحيح إلا في الظروف الاستثنائية التي تدخل فيها عناصر التزوير والمحسوبية والرشوة وهذه خارج السياق ولا يقاس عليها
ثانيا: إدارة الفرصة:
عندما تقتنص الفرصة وتصبح بداخلها عليك إدارتها بشكل ناجح ينبع من قدرتك على توظيف كل مؤهلاتك التي ساعدتك في الحصول على تلك الفرصـ لإتمام مرحلة التعامل مع مفرداتها وحيثياتها باتجاه الخروج بنتيجة تنقلك من واقـ الى آخر أحسن منه بموجب قوانين تلك الفرصة وما توفره من معطيات فإن عدم إدارة مفردات الفرصة التي تحصل عليها بشكل جيد وبكفاءة عالية قد يؤدي الى إهدارها وعملية إهدارها تحمل ضررا مزدوجا من حيث إنك حرمت شخصا آخر من نيلها في الوقت الذي لم تتمكن من تحقيق أهدافك من خلالها وأضعتها وتعتمد عملية إدارتها بشكل ناجح على:
١- رصانة مؤهلاتك العلمية والتي تظهر تفوقك وأصالة موهبتك.
٢-الرغبة الصادقة في التعامل مع العالم الجديد الذي تتيحه لك تلك الفرصة.
3- الاستعداد النفسي وتهيئة كل الظروف المحيطة بك لذلك التحول.
4-الإصرار والقدرة على التحمّل والتضحية إزاء ما سيواجهك من ظروف،
5-الثقة بالنفس والشجاعة التي تجعلك تتجاوز كل الصعاب.
6-الرغبة الصادقة في التعامل مع العالم الجديد الذي تتيحه لك تلك الفرصة.
7- الاجتهاد في التحصيل وتنويع مصادر المعرفة للتكيف مع معطيات الفرصة.
8-النزاهة وعدم استخدام الأساليب الملتوية والوسائل غير الشريفة.
ثالثا: جني ثمار الفرصة
هذا العنصر هو نتيجة منطقية للعنصرين السابقين فإن عملية اقتناص الفرصة بشكل ناجح أي الفرصة التي تتوافق مع قدراتك ومؤهلاتك ومواهبك وتناسب اختصاصك وعدم إقحام نفسك في مجالات لا تخصك سيؤدي حتما الى إدارة ناجحة ومبدعة لعناصر تلك الفرصة الأمر الذي سيؤدي الى نجاحك في جني ثمار جهودك التي تم توظيفها في المجالات التي أتاحتها لك تلك الفرصة من هنا سيكون استغلالك واستثمارك لتلك الفرصة نموذجيا وفاعلا ومنتجا.
الموهبة والحظ
الموهبة هي القدرة أو مجموعة القدرات التي يهبها الله لشخص دون غيره والتي تجعل منه متفردا ومتميزا بضوء تلك القدرات أذا تم اكتشافها وأحسن استثمارها كالصوت الجميل والملكات الإبداعية المختلفة والمتنوعة في شتى المجالات والمقبولية لدى الناس وغير ذلك الكثير. ومن المعلوم إن كل إنسان يتمتع بعدد من المواهب منها ما يكتشف وينمّى ويطوّر ومنها ما يضمر نتيجة الإهمال أو عدم الانتباه وقلة الاهتمام. وفي رأيي المتواضع أن ما يسمونه العامة والخاصة بالحظ هو المعادل الموضوعي للموهبة فبدلا من أن يقال فلان موهوب يقال فلان محظوظ وفي هذا طبعا الكثير من الصحة لأن المحظوظ الذي يشار إليه على انه ذو حظوة فمرد ذلك أنه يتمتع بتلك الحظوة من الله ولا مجال للشك في أن المقصود هو الموهبة والموهوب هو المحظوظ وينطبق هذا على الأمور الدنيوية وحتى في الآخرة ووفق هذا المفهوم يكون كل شخص موهوب وكل موهوب محظوظ والجميع متكافئين عند خط الشروع ولكن الاختلاف يبرز في الفرص التي تستثمر والمجالات التي تستغل والظروف المناسبة لتفعيل المواهب والقدرات. وقد وردت كلمة (حظ) في القرآن الكريم عدة مرات وكانت لها عدة معاني وبحسب الآية التي وردت فيها ولكنها وبكل معانيها تلك كانت بعيدة عن المعنى المتداول لها في الأدب والشعر والقصص والعرف الاجتماعي وما هو سائد في أذهان الناس . في الآية الكريمة التي تقول:
“وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم” فصلت (٣٥) فإن معناها هنا إلا من وجبت له الجنة، وفي الآية الكريمة (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب أليم / آل عمران (١٧٦) والمقصود هنا ايضا هو الجنة لأن الأمر متعلق بالآخرة وفي الآية الكريمة (يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) المائدة (۱۳) وهنا فإن معناها شديد الوضوح فقد جاءت بمعنى جزءا أو قسطا.
وفي الآية الكريمة فخرج على قومه فقال الذين يريدون الحياة الدنيا باليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم / القصص (۷۹) ومعنى حظ عظيم هنا نصيب ضخم من متاع الدنيا وزينتها، وفي الآيتين (۱۱) و ١٧٦ من سورة النساء ) جاءت كلمة حظ بمعنى آخر مختلف تماما حيث تعني النصيب او الحصة او القدر من الميراث أو الوصية (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) و (وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين.
من هنا يبدو واضحا وجليا أن ما نتداوله في مختلف الأوساط التي نتحرك فيها عن مفهوم الحظ ما هو إلا سراب لا أساس له ونحن بذلك قد منحنا الموهبة تسمية الحظ لأسباب عديدة متوارثة وأهمها ما يتعلق بالجانب النفسي في المستوى التبريري، لأنه ببساطة شديدة فأن الله هو العدل والمقسط فلا يمكن أن يفضّل أحدا على آخر فيمنحه ما نسميه بالحظ الجيد ويمنح غيره ما نسميه بالحظ السيء، والصحيح هو أن الله سبحانه وتعالى قد وزع المواهب والقدرات والطاقات على جميع البشر بشكل تكاملي متعادل ومحصلة ما قد منحه الله من نعم ومواهب في الدنيا والآخرة لشخص تكون مكافئة لما منحه لشخص آخر في حياته وبعد مماته فتجد شخصا فقيرا مسلوب المال لكن صحته وقوته أفضل من شخص لديه أموالا كثيرة ولكنه عليل، وكذلك تجد شخصا فقيرا معدما ويعيش حياة تعيسة في الدنيا ولكنه في الآخرة في جنة عالية خلافا لغيره ممن كان يعيش في بحبوحة ولكنه يؤول في نهاية المطاف في آخرته الى مكانة مخزية، وفي هذا الإطار تأتي الآيات الكريمة التي جوهرها ومعناها تفضيل البعض على البعض في الرزق.
والدرجات لتحقيق التكامل العضوي لأفراد المجتمع وفق الحاجة والتخصص فصاحب التخصص مرفوع ومفضّل على صاحب الحاجة الذي بدوره يكون مرفوع ومفضّل على غيره فيما وهبه الله من ميزة يتفرد بها هذه المعادلة متحققة في الحياة بشكل ملموس حيث نعلم إن الكثير ممن سلبهم الله حاسة البصر يعوضهم في جوانب أخرى بشخصياتهم ونحن نعرف الكثير من فاقدي البصر من العظماء أمثال عميد الأدب العربي الدكتور طه (حسين والملحن الكبير المبدع (سيد مكاوي) والمبدع الكبير الأستاذ (عمار الشريعي) وغيرهم.
خلاصة القول إن ما نطلق عليه الحظ هو في حقيقته يعني الموهبة ولكل إنسان عدة مواهب منها ما يكتشف ومنها ما يضمر ومنها ما يدرك بعد فوات الأوان. إن الله سبحانه وتعالى محيط بالجميع وبكل تفاصيل الكون وبالزمن كله لذلك تجد كل صغيرة وكبيرة عن أي إنسان في كل مكان وزمان تجدها مدونة في کتاب محفوظ ويعلمها الله تعالى بتفاصيلها ولكن ما يكتب لشخص بالتأكيد يختلف عما هو مكتوب لشخص آخر وينطلق ذلك الاختلاف من عمل كل منهما وسلوكه الذي يقوم به بمحض إرادته وبهدي عقله وبضوء تعليمه وتربيته. فالله سبحانه وتعالى لا يهدي شخص الى عمل سيء ومن ثم يحاسبه عليه بعد ذلك، بدليل إن كل الرسالات التي نزلت كانت تعرض على الناس ومنهم من يقتنع ويؤمن بها فيثاب ومنهم من يصدّ ويرفض ويعرض عنها فيعاقب من هنا يمكننا الاستدلال والقول بأن الأمر كله منوط بالإنسان وعمله الذي يعلمه الله ومكتوب لديه قبل وقوعه فالقسمة والمكتوب هنا عن الشخص الذي يعمل وسيعمل وليس أمرا وقرار بالعمل والسلوك، وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من وتزكية النفس تأتي بالعمل الصالح والسلوك الجيد والاستقامة والعكس يؤدي إلى الخيبة والخسران.
وواضح من هذه الآية الكريمة إن عمل الإنسان هو من يسأل عنه ويقوم به بمحض إرادته واختياراته فالإنسان هنا مخيّر وليس مسيّر لأن الله سبحانه وتعالى لا يمكن ان يسيّر شخص لعمل سيء ومن ثم يحاسبه عليه، ولا يمكن أن يميز بين شخص وشخص هذا يسيّره الى عمل جيد وهذا يسيّره الى عمل رديء لأن ذلك سيرفع عن البشر المسؤولية عن نوع السلوك ويضع المسيء في موقع المظلومية لأنه سيق الى أداء ذلك العمل دون إرادته فيما نسميه الحظ السيء والحظ الجيد وحاشى الله أن يكون ظالما وأن يحاسب شخصا قام بعمل فرضه الله عليه فهو الحكم العدل الرحمن الرحيم وهو الذي يقول (ومن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شريرة ولا تظلمون، وخروج آدم من الجنة بسبب سوء عمله الذي وسوس له الشيطان به فأكل من شجرة منعه الله تعالى عنها ولكنه خالف كلام الله وقام بفعلته فاستحق العقاب من هنا يتضح لنا إن الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان وجعل نفسه ثنائية الهوى والاشتغال وتحمل جانبي الخير والشر فألهمها فجورها وتقواها)، وتقع على الإنسان مسؤولية تنمية وبناء وتقوية جانب على حساب الجانب الآخر فيتميز بذلك البشر على أنهم أخيارا وأشرارا ولنا في أبناء آدم عليه السلام خير مثال فقد قتل أحدهم الآخر فالخير والشر موجود منذ بداية الخليقة.
من هنا نعود الى تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي) في هذا الصدد والذي أكد بأن الله قد وزّع الأرزاق والمواهب والقدرات والنعم على كل البشر وبشكل عادل وتكاملي في الدنيا والآخرة ولم يميّز أحد عن الآخر عند خط الشروع وإنما يأتي التمييز بعد ذلك بالتقوى”، ويقول الشيخ الشعراوي إن حكمة توزيع المواهب والقدرات على البشري تعزيز حاجة أحدنا للآخر ولكي تستمر البشرية بالتخادم فالموهبة تؤسس للتخصص والتخصص يستدعي التعاون والتكافل وتبادل الخبرات والمنافع وهكذا تسير الحياة والموهبة كالبذرة أو النبتة.
ويمكننا أن نخلص الى:
ما يطلق عليه الحظ إذا هو لحظة التلاقي بين الموهبة بكل عناصرها والفرصة بكل معطياتها فيحظى صاحب الموهبة بتلك الفرصة دون غيره، عدا ذلك فلا وجود للحظ من غير مواهب وقدرات ومؤهلات ودون وجود فرصة مناسبة لتلك المواهب والإمكانيات. لأنك بدون فرصة تستثمرها تبقى القدرات كامنة والمواهب مختبئة والمؤهلات في حالة سبات وتبقى شخصا عاديا مثل غيرك، ودون المواهب والقدرات والمؤهلات سوف لن تظفر بأية فرصة تتوفر أمامك وتجني ثمارها بشكل نموذجي ومثالي، فلا بد إذا أن يتلازم طرفي المعادلة تلك في وقت محدد ومعين صدفة كان أم مخططا له، عند ذاك يقال عن الذي يستطيع أن يستثمر تلك الفرصة بالذات بأنه قد حظي بتلك الفرصة دون غيره، وهذا المعنى بطبيعة الحال يختلف تماما عما يظن ويعتقد البعض وعما يشاع في معنى ودلالة الحظ.











