يعتبر التعاون بين دول حوض النيل ضرورة حتمية لتحقيق استقرار المنطقة وازدهارها وأمنها على المدى الطويل، وذلك لضمان الاستخدام المستدام والعادل لمياه النيل، ومعالجة تحديات تغير المناخ، وتعزيز الأمن المائي لدول المنبع والمصب.
إن مصر لطالما تعاملت مع ملف سد النهضة بضبط النفس، وأصرت على إبقاء النزاع ضمن الإطار الثلاثي بين مصر والسودان وإثيوبيا دون توسيعه ليشمل دول الحوض بأكملها”، لان انتهاز إثيوبيا لفرصة استضافتها لهذا الاجتماع الإقليمي لإدراج تلك الزيارة على جدول الأعمال سيؤدي إلى إقحام دول حوض النيل في النزاع القائم حول السد الإثيوبي، مما قد يؤثر سلباً على وحدة الدول الأعضاء ويهدد التعاون الإقليمي.
وكما لم يخضع النيل في ربطه بين الدول لعوامل السياسة، فإن على مصر ألا تقع في خطأ السؤال والتوقعات التي يكونها الوجود الحالي لدولة السودان المنقسمة إلى شمال وجنوب: أي من الدولتين المكونتين لشمال وجنوب السودان مؤهلة أكثر لخطاب السودان أفريقياً؟.
تضم مبادرة حوض النيل حاليًا 10 دول أعضاء: بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومصر، وإثيوبيا، وكينيا، ورواندا، وجنوب السودان، والسودان، وتنزانيا، وأوغندا، مع إريتريا كمراقب. يمثل إنشاء اتفاقية عنتيبي عام 2010 تحدياً للتعاون الإقليمي لأنها لم تعترف بحصة مصر من مياه النيل، مما دفع مصر والسودان لتعليق عضويتهما في مبادرة حوض النيل عام 2010 اعتراضاً عليها، وترفض الاتفاقية لأنها تسمح لدول المنابع بإنشاء مشاريع مائية دون التوافق مع دولتي المصب،
يتعين على الحكومات والمواطنين الأفارقة أن يقرروا نوع الاتحاد الذي تحتاجه أفريقيا لتحقيق تطلعاتهم المتمثلة في إيجاد هيئة إقليمية تعمل على تعزيز السلام , وتوسيع الرخاء , وتمثيل المصالح الأفريقية بشكل فعال في المحافل الدولية .
وقد تعرض الاتحاد الأفريقي لانتقادات كثيرة لافتقاره إلى قيادة فعالة لتسوية الأزمات الكبرى ، مثل أزمة جمهورية الكونغو الديمقراطية ، والأزمة في دولتي السودان ، والكاميرون , بجانب الأزمة في منطقة الساحل , كما أنه من مهام الاتحاد الأفريقي العمل علي تسهيل التكامل الاقتصادي بين دول القارة ، سعيا منه لكسر حواجز التعاون غير المتحققة في الأسواق والتجارة المتنامية داخل القارة الأفريقية التي تضم 54 دولة ويبلغ عدد سكانها 1.5 مليار نسمة , علاوة على ذلك يتطلع الأفارقة إلى الاتحاد الأفريقي ليمثل صوتا جماعيا مؤثرا، يمثل مصالحهم في المحافل الدولية ، أو عندما تقتضي الحاجة استجابات أفريقية سريعة ومنسقة.
إن تنوع القضايا التي يتوقع من الاتحاد الأفريقي أن يقدم فيها القيادة والتنسيق يبرز أهمية هذه الهيئة الأفريقية الشاملة , ومع ذلك فقد طال أمد الدعوات المستمرة لإصلاح الاتحاد الأفريقي في مجالات السلام والأمن ، وتحسين الكفاءة التنظيمية , والتعاون الاقتصادي ، والتمثيل العالمي.
إن أي نقاش حول إصلاحات الاتحاد الأفريقي يجب أن يدرك حجم هذه المهمة , حيث كانت منظمة الوحدة الأفريقية ، سلف الاتحاد الأفريقي تمثل حلا وسطًا بين مجموعتين من الدول المستقلة حديثا , حيث أرادت “مجموعة الدار البيضاء” اتحادا سياسيا فوريا للدول الأفريقية بسلطة مركزية واحدة ، وحكومات إقليمية فرعية ، وسياسة خارجية ودفاعية مشتركة ، ومؤسسات مشتركة , بينما أرادت “مجموعة مونروفيا” تحالفا أكثر مرونةً ، قائما على التعاون الاقتصادي الإقليمي التدريجي , مع الحفاظ علي السيادة الوطنية .
فيما يتعلق بمسألة إعلاء صوت الاتحاد الأفريقي على المستوى الدولي ، تقدم تجربة منظمة الوحدة الأفريقية دروسا لليوم , فعلى سبيل المثال ، نسقت منظمة الوحدة الأفريقية حملة مقاطعة أفريقية ناجحة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ، مما دفع معظم الأعضاء إلى قطع العلاقات ، بل وإصدار جوازات سفر تمنع السفر إلى جنوب أفريقيا , أما أولئك الذين لم يطبقوا حزمة العقوبات كاملة , فقد أثاروا غضب الرأي العام ، وتراجعت مكانتهم بشكل ملحوظ , وقدم العديد منهم تبرعات طوعية للحركة العالمية المناهضة لنظام الفصل العنصري .
كما قدمت منظمة الوحدة الأفريقية قيادة حاسمة في حل النزاعات في جنوب أفريقيا ودول أخرى خرجت من الاستعمار والفصل العنصري ، مثل أنجولا ، والرأس الأخضر ، وموزمبيق ، وناميبيا ، وزيمبابوي , ولم تكتف الجهات الفاعلة الدولية ، كالأمم المتحدة والكومنولث والقوى الكبرى ، بأخذ توجيهاتها من منظمة الوحدة الأفريقية ، بل حرصت على تجنب الظهور بمظهر من يتعارض مع مصالحها .
وقد عملت منظمة الوحدة الأفريقية على صياغة رؤية واضحة مشتركة بين الأعضاء ، وأبقت الجمهور مطلعا ومنخرطا , ولتحقيق هذه الإنجازات، صاغت منظمة الوحدة الأفريقية رؤية واضحة مشتركة بين أعضائها ، وأبقت الجمهور مطلعا ومتفاعلا من خلال وكالة الأنباء الأفريقية (PANAPRESS) , واتحاد المنظمات الوطنية للإذاعة والتلفزيون في أفريقيا (URTNA) ، وتعاونت بقوة مع تحالفات أكاديمية مثل مجلس تطوير بحوث العلوم الاجتماعية في أفريقيا (CODESRIA) , كما استفادت من قوة تمثيل أفريقيا في الأمم المتحدة لإطلاق مبادرات مثل اللجنة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بإنهاء الاستعمار ومجلس الأمم المتحدة لناميبيا.
كما برعت منظمة الوحدة الأفريقية في حشد الرأي العام الدولي والحفاظ على تفاعله من خلال العمل مع هذه الجماهير والحكومات والهيئات التشريعية , ورغم اختلاف السياق الحالي ، فإن هذه الدروس بالغة الأهمية وقابلة للتطبيق على الاتحاد الأفريقي في مواجهته للتحديات التي تواجه الدول والمجتمعات الأفريقية في القارة ، ومجتمعات الشتات عموما.
وفيما يتعلق بمسألة مدى تنازل الدول الأفريقية عن سيادتها لبناء اتحاد سياسي حقيقي ، يمكن للاتحاد الأفريقي أيضا أن يستقي دروسا من التاريخ , ففي نوفمبر 2024 ، وقعت الدول الأعضاء السبعة في جماعة شرق أفريقيا (EAC) اتفاقية ووضعت خارطة طريق لتسريع إنشاء اتحاد سياسي كخطوة رابعة وأخيرة في عملية تكامل الجماعة .
حيث تهدف الهيئة الإقليمية لشرق إفريقيا إلى استعادة زخم جماعة شرق إفريقيا الأصلية (قبل أن تؤدي التوترات الداخلية إلى انهيارها في عام 1977) , كانت تلك النسخة من الجماعة في طريقها إلى سلطة واحدة , حيث تقاسم المؤسسون الأصليون ، كينيا وأوغندا وتنزانيا ، شركة طيران وهيئة ميناء وسكك حديدية وخدمة بريدية وبنك تنمية وجامعة (مع ثلاث كليات مكونة لها) واستراتيجية صناعية متكاملة ، بناء على المزايا الفريدة لكل عضو.
كما أدارت هيئة الخدمات المشتركة المؤسسات والخدمات المشتركة ، مما جلب فوائد عملية للمواطنين , فعلى سبيل المثال ، كان يمكن لمواطن في دولة عضو إيداع الأموال في أحد البنوك البريدية وتسليمها في أقل من 10 دقائق إلى مستلم في بنك آخر , وكانت جماعة شرق إفريقيا الأصلية تديرها أمانة عامة ذات طاقم محترف تتكون من كادر من الموظفين الإداريين والفنيين بالإضافة إلى المعينين السياسيين من كل دولة , وقد أخذوا إرشاداتهم من الهيئة ، التي كانت تتمتع بالثقة الكاملة من الدول الأعضاء وبالتالي يمكنها العمل بشكل مستقل ومهني.
وقد كان نجاح هذه التجربة يكمن في تطوير الجماعة للقدرات التكنوقراطية اللازمة لإدارة شؤونها دون فقدان رؤيتها السياسية للوحدة الأفريقية والدفاع عن المصالح الأفريقية , وقد استند هذا إلى فكرة أن وضع سكان شرق أفريقيا أفضل كوحدة واحدة مقارنة بكونهم دولا منفردة .
ففي حين تستمر الفوضى وعدم اتساق تنفيذ القرارات ، لا يزال أمام الاتحاد الأفريقي فرصة ليصبح اتحادا سياسيا قاريا أكثر فعالية وتأثيرا وتماسكا مؤسسيا ، كما تصوره الآباء المؤسسون , ومع ذلك ، هناك حاجة ملحة لإعادة تقييم عملياته ووظائفه لمنحه معنى وهدفا جديدين , وهذا يتطلب إرادة سياسية ، ورسالة مشتركة ، وتقاسما للسلطة بين المؤسسات الرئيسية ، وشعورا متجددا بالإلحاح , والأهم من ذلك كله ، يتطلب مشاركة قوية من المواطنين وملكية كاملة ، لأن المشاريع الكبرى من هذا النوع تعتمد بشكل كبير على الضغط من القاعدة إلى القمة.










