لاينفعل ، ولا يشغل باله بأحد ، ولا تهزه الأحداث ولا الوقائع مهما تعاظمت ، هكذا يبدو ، ولهذا أطلقوا عليه اسماً صار لايرد علي أحد لو ناداه بغيره { المعلم كافي خيره شَرّه } !!.
صاحب قهوة بلدي في بطن قرية مصرية ، لايعمل بها سواه ، يصنع الطلبات بنفسه ، ويقدمها للزبائن ، يتساوي عنده طالب كوب من الحِلبة الحصي ، وكَيّيف يرص له حجارة الحشيش وجمرات الفحم المُشتعل ، ويمسك له غابة الجوزة ليشد منها أنفاسه العميقة ، حتي ينسطل !!.
( طقت ) في رأس { المعلم كافي خيره شَرّه } أن يقابل السيد رئيس الجمهورية !!.
حاولت زوجته أن تثنيه عن تلك المغامرة التي لاتُحمد عقباها ، واستعانت بكبرات البلد وبعض أهلها ، لكنه كان قد أرسل تلغرافاً إلي رئاسة الجمهورية ، ووقعت الفأس في الرأس ، وقُضيّ الأمر !!.
سيارة جيب تابعة لمركز الشرطة ، تقف أمام القهوة ، ويهبط منها ضابطان وثلاثة من أمناء الشرطة ، بأحجام ثقيلة مُنتقاة ، يلتقطون المعلم كافي خيره شَرّه من وسط ( ناصبة الطلبات ) ، ويقذفون به في جوف السيارة ، التي انطلقت تثير الغبار الكثيف والأتربة ، وصياح الأطفال الحُفاة خلفها !!.
سأله السيد مأمور المركز : ( لماذا تريد رؤية السيد الرئيس يامعلم كافي ) ، يرد في ثقة وبراءة ( هناك أمر خطير أود أن أخبره به ) ، ( نريد أن نعرفه ) ، ( يافندم .. هذا بيني وبين الرئيس فقط ) ، يعود المعلم كافي إلي بيته صباح اليوم التالي ، وقد تورم قفاه ، وسقطت ( سِنة ) أمامية من أسنان فكه الأعلي !!.
ظل المعلم كافي صامتاً ساهماً طوال يومين ، لايتكلم ولايرد علي مَن يكلمه !!.
في مبني المحافظة الفخيم ، كان علي موعد مع معالي الوزير المحافظ ، والذي استقبله بترحاب ، وطلب له مشروباً جديد العهد به ، سمع مَن قدمه يقول عنه ( نسكافيه ) ، ابتسم السيد المحافظ قائلاً : ( أكيد يامعلم كافي عندك هدية تود إهداءها إلي فخامة الرئيس ، كنز فرعوني عثرت عليه ، تشكيل إرهابي يسعي لتخريب البلد ، معلومات عن دولة معادية تكيد لمصر ) ، رد المعلم كافي : ( أخطر ياسيدي بكثير ) !!.
أضيئت أسقف وحيطان القهوة بالكهارب والزينات ، وأعلام مصر ، وثمانية ميكروفونات تذيع أغنية ( تسلم الأيادي ) ، وجموع غفيرة من النساء والرجال والأطفال اكتظوا وتسابقوا في وداع المعلم كافي خيره شَرّه ، الذي حملته سيارة سوداء فارهة إلي مبني رئاسة الجمهورية !!.
استقبله الرئيس بابتسامة عريضة ، وأخذه من يده وأجلسه علي الكرسي المذهب أمامه ، بعدما كان المعلم كافي مصمماً علي الجلوس علي السجادة الوثيرة المزينة لأرضية المكتب الرئاسي الفخيم ، وقد خلع حذاءه !!.
سأله السيد الرئيس : ( ها يا معلم كافي .. ماذا عندك تريد إيصاله لي ) ، صمت كافي طويلاً ، حتي ظن الرئيس أن قد ضربه الخرس ، ثم انطلق يقول ، وقد احمرت عيناه وجحظتا ، وانتفخت أوداجه :
( ياريس . الناس تعبانه ، ضاقت عليها معيشتها ، ياريس .. الناس فلتانه ، صار القوي يلتهم الضعيف ، وصاحب المال يشتري كل شئ بماله ، التعليم والعلاج والمنصب والجاه والنفوذ ، وحتي الحصانة ، ياريس .. صواميل البلد اتفككت ) !!.
ثم راح يردد في شبه هستيريا ، وكأنه يهذي : ( اربط صواميل البلد ياريس .. اربط صواميل البلد ياريس ) !!.
يقول شهود العيان ، بأن القهوة من ساعتها مُغلقة ، والمعلم كافي خيره شَرّه علي لسانه جملة واحدة ، لا ينطق بسواها : [ اربط صواميل البلد ياريس ] !!.










