في إطار قسم العروض العربية والإفريقية ضمن فعاليات الدورة (26) لأيام قرطاج المسرحية، قدّم المخرج الليبي عوض الفيتوري عرضًا استثنائيًا بعنوان “رَحِم” على ركح مسرح الحمراء، ليمنح الجمهور تجربة فنية تنبض بالأسئلة الوجودية، وتغوص في عمق مسار الإنسان منذ لحظة تشكّله الأولى حتى رحلته المعقدة بين الحياة والموت، بين الوعي والعبث، وبين الحاجة إلى الانتماء والخوف من الفناء.
رحلة من الأصل إلى المصير.
يتناول العرض مسار الإنسان ككائن يبحث عن ذاته وسط عالم متحوّل، فيستعير “الرحم” كرمزٍ للمنشأ الأول، ثم يتفرّع نحو الأسئلة الكبرى التي تلاحق الفرد: من أين جئت؟ وإلى أين أمضي؟ ولماذا كل هذا الوجع المتوارث في مسار لا يمكن التنبؤ بنهاياته؟
هذا الطرح الوجودي تُرجم بصريًا وفلسفيًا عبر بناء سينوغرافي مكثّف يضع المتلقي أمام مرآته، ويُشركه في اقتفاء أثر تلك الأسئلة.
جماليات الإخراج: شحنات حسية وفكرية.
المخرج عوض الفيتوري قدّم رؤية إخراجية ناضجة، مبنية على الاقتصاد في الحركة والثراء في المعنى. اعتمد على سرد بصري يتجاوز الكلام إلى لغة الجسد والإيقاع والتكوين، فخلق فضاءً مشحونًا بالتوترات، يُصعّد لحظات الميلاد والاختناق والبحث والانعتاق.
كان واضحًا حرصه على ضبط الإيقاع العام للعرض وتوزيع الكثافة الدرامية بما يمنح كل لحظة وزنها، دون إفراط أو ترهّل.
أداء تمثيلي يخترق العاطفة.
أبدع الممثلان الليبيان حسين العبيدي وحاتم قرقوم في نقل صراع الإنسان الداخلي؛ مزيج من الحضور الجسدي القوي والانفعالات المحسوبة والعطاء المهني الذي يعكس خبرة ورغبة صادقة في إيصال فكر العرض وروحه.
جاء الأداء متماهيًا مع الفكرة، نابضًا بالصدق، قريبًا من الجمهور، ليجعل المتلقي جزءًا من الحدث وليس مجرد مشاهد خارجي.
سنوغرافيا… لغة أخرى للنص.
السنوغرافيا كانت إحدى أبرز مفاتيح نجاح “رَحِم”.
فالإضاءة، وتوزيع الفضاء، وانتقاء الألوان، وتوظيف العناصر الحركية، كلها شكّلت بنية متكاملة تحوّلت إلى نص بصري موازٍ يقود المتلقي إلى طبقاتٍ أعمق من المعنى.
كانت السينوغرافيا آسرة بحق؛ خادمة للفكرة وليست متعالية عليها، ومولّدة لجماليات تُحاكي جوهر الأسئلة المطروحة في العرض.
تفاعل الجمهور: اندهاش وتقدير
شدّ العرض جمهوره منذ لحظاته الأولى.
كان تأثيره واضحًا في صمت الصالة، في المتابعة الدقيقة، وفي لحظات الانبهار التي رافقت ذروة التكوينات البصرية والأدائية.
خرج الكثيرون وهم يتحدثون عن جرأة الفكرة، وجمال التنفيذ، ودقّة التوليف بين الإخراج والتمثيل والسنوغرافيا.
ويثبت عرض “رَحِم” أن المسرح الليبي قادر على تقديم أعمال متفرّدة فكريًا وجماليًا، وأن حضوره في الفضاء العربي والإفريقي ليس حضورًا شكليًا بل إبداعيًا جوهريًا. وقد جاءت مشاركته في أيام قرطاج المسرحية – الدورة 26 لتضعه ضمن أهم التجارب التي تستحق المتابعة والدراسة، ولتؤكد أن المسرح ما يزال قادرًا على خلق الدهشة وتحريض الأسئلة في زمن يبحث عن المعنى.










