يتمحور دور مجلس النواب القادم في مصر حول كونه السلطة التشريعية والرقابية العليا في البلاد، مع التركيز على تلبية طموحات المواطنين ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية. أن الدستور وضع اختصاصات أناط بها لمجلس النواب، وهي التشريع، الخطة العامة والتنمية الاجتماعية والسياسة العامة للدولة والرقابة على السلطة التنفيذية وإقرار الموازنة العامة. ن النائب يجب أن يكون قادرا على الرقابة والتشريع وعلى علم بالسياسية العامة للدولة وليس لمجرد تأدية الخدمات.
يُرجح ترتيب قانون المحليات ضمن الأولويات الأولى في أجندة البرلمان، كون انتخابات الإدارات المحلية هو الاستحقاق الدستوري الثالث والأخير ضمن مشهد الحياة السياسية في مصر. كما تعد الإدارات المحلية هي الضلع الثالث في مثلث السلطة التنفيذية بعد الرئيس، والحكومة. بخلاف أنّ الدولة المصرية وجّهت بتضمين الإدارات المحلية سلطة لا مركزية، أي لها استقلالية نسبية في سلطة اتخاذ القرار. بخلاف أن وجّه رئيس الجمهورية بأنها ستكون منصة مهمة للمشاركة الشبابية فيها.
لم ينجح البرلمان المنتهية ولايته في سن قانون الإدارة المحلية، بسبب رفض الأحزاب والائتلافات مناقشته لتضمنه مواد غير منطقية، حسب روايتهم. وكانت أبرز ملاحظات الأحزاب على القانون:
أن الأحزاب لن تستطيع خوض انتخابات برلمانية ومحلية في عام واحد.
أن المدن الجديدة لا تخضع للإدارات المحلية بل لوزارة الإسكان، وبالتالي يتعين لها مجلس أمناء وليس مجلس محلي، ويكون بالتعيين. ولكن عالج ذلك وزير الإسكان بإقراره تشكيل مجلس الأمناء بالانتخابات وليس بالتعيين، على أن تحتفظ الوزارة بتبعية المجتمعات العمرانية الجديدة لها.
أن القانون يمنع وصول من هم أقل من 35 سنة إلى منصب المحافظين والنواب، وهو ما يتنافى مع توجه الدولة.
الاعتراض على تعريف مشروع المحليات بفئة الفلاحين والعمال فقط، وحملة المؤهلات الدنيا. وهو ما يتعارض مع توجه الدولة بتمكين حملة المؤهلات العليا.
كان الاعتراض أيضًا على نظام الانتخاب، حيث ترغب الأحزاب أن تكون بالقائمة المطلقة بنسبة 100% للمقاعد، وليس كما ذكر القانون بأن تنقسم المجالس بين 25% للفردي، و75% للقائمة. وكان مبرر النظام المذكور في القانون أنه قد يفتح لعودة تيار الإسلام السياسي.
إجمالًا، يمكن القول إن التفاعلات الملحقة بالمشهد الانتخابي لمجلس النواب ستسهم في استكمال مشروع الدولة المصرية في بناء حياة سياسية رشيدة من أجل تحقيق مستهدفها الاستراتيجي وهو بناء الدولة الوطنية، أي الانتقال إلى مرحلة التحديث والتنمية.
الأدوار التشريعية والسياسية الرئيسية:
التشريع وسن القوانين: يمتلك المجلس الصلاحية الحصرية لإصدار وتعديل القوانين التي تنظم مختلف جوانب الحياة في مصر، بما في ذلك القوانين الاقتصادية والاجتماعية. من المتوقع أن يكون أمامه فرصة كبيرة لإعادة النظر في بعض القوانين، مثل قانون الإيجار القديم.
الرقابة على الحكومة: يمارس النواب دورهم الرقابي على أداء السلطة التنفيذية (الحكومة)، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة للدولة وخطط التنمية ومراقبة تنفيذها لضمان الحفاظ على المال العام ومصالح الوطن.
إقرار السياسة العامة: يشارك المجلس في إقرار السياسة العامة للدولة وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما يمنحه تأثيراً مباشراً على توجهات البلاد المستقبلية.
تمثيل المواطنين: يُعد النائب صوت المواطنين داخل البرلمان، حيث يحمل همومهم وتطلعاتهم من الشارع إلى قبة المجلس، ويسهم في ضمان العدالة والمساواة من خلال التشريعات.
تعزيز المسار الديمقراطي: يُنظر إلى المجلس القادم على أنه دعم للمسار الديمقراطي في مصر، وتؤكد المشاركة الشعبية في انتخاباته على وعي المواطنين وتمسكهم بدعم مؤسسات الدولة.
التحديات والفرص:
التحديات الإقليمية: يواجه المجلس تحديات خطيرة في ظل محيط إقليمي مضطرب، وسيكون له دور في الحفاظ على الأمن القومي المصري والتعامل مع القضايا الإقليمية.
التوقعات الشعبية: هناك طموحات وتوقعات كبيرة من المواطنين بأن يكون المجلس على مستوى التحديات ويحقق مصلحة الوطن والمواطن.
التوازن الحزبي: ستكشف نتائج الانتخابات عن ملامح خريطة سياسية جديدة قد تعكس توازناً حزبياً مختلفاً داخل المجلس.
التنافس هو الأساس بين الجميع: يجب أن يكون التنافس بين جميع الأطراف هو الأساس في النظام الانتخابي، بحيث تتيح القواعد القانونية والانتخابية للجميع فرصة متساوية للمشاركة في الانتخابات. على سبيل المثال، يمكن تخصيص مقاعد للمرأة ضمن النظام الفردي على مستوى المحافظات، بحيث يتم تحديد عدد المقاعد النسائية لتكملة الكوتة المقررة. في هذه الحالة، تتنافس النساء داخل المحافظة على المقاعد المخصصة لهن؛ مما يعزز فرص التنافس الفعلي بينهن.
كما يمكن تعديل نظام القائمة المغلقة ليكون على مستوى المحافظة أو من خلال جمع عدد أقل من المحافظات مقارنة بما هو موجود حاليًا. فلو كانت كل محافظة تضم قائمة مغلقة مع ضمان النسب الدستورية للتمثيل النسائي،
فإن هذا سيؤدي إلى تعزيز التنافسية بشكل أكبر؛ حيث يتيح للأحزاب السياسية والمستقلين فرصة حقيقية للمنافسة وتقديم أفضل الكفاءات، ويهدف هذا التعديل إلى تحقيق مزيد من التنافسية في العملية الانتخابية وضمان تمثيل عادل ومتوازن بين جميع الفئات، بما في ذلك المرأة، مع الحفاظ على المبادئ الدستورية الخاصة بالكوتة دون أن تصبح قيدًا يعيق المنافسة الحقيقية.
أن يكون التنافس بين الجميع هو الأساس: فعلى سبيل المثال يمكن أن تكون مقاعد المرأة بالنظام الفردي على مستوى المحافظات بعدد يكمل الكوتة بحيث تتنافس النساء داخل المحافظة على مقاعد المرأة، كذلك يمكن أن يصبح نظام القائمة المغلقة على مستوى المحافظة أو بجمع عدد أقل من المحافظات عن الموجود حاليًا، فإذا كانت كل محافظة قائمة مغلقة وبها النسب الدستورية سيعزز هذا التنافسية.
التدقيق والتشدد في تعريف نظام تمثيل الكوتة: يجب أن يتم تحديد الكوتة في الدستور بشكل دقيق، بحيث لا يصبح نظام الكوتة وسيلة للتحايل أو بابًا خلفيًا يتم التوسع فيه بطرق غير عادلة. يهدف ذلك إلى ضمان تمثيل حقيقي للفئات المستحقة، مثل النساء والشباب،
دون إفراغ النظام من مضمونه الفعلي عبر ما يعرف بالشخصيات العامة. فالغرض من المقاعد التي يعينها رئيس الجمهورية وفقًا للدستور، هو وإعادة التوازن لبعض الفئات والقوى المهمشة. التي لا تستطيع الفوز في الانتخابات حتى على نظام القوائم، لذلك، يُعتبر ضم شخصيات عامة والتوسع في هذا النظام داخل القوائم بمثابة التفاف على أهداف التعيين.
ثبتت الدولة المصرية أن صوت المواطن هو البوصلة الحقيقية في الانتخابات البرلمانية. ومع انتهاء الجولة الأولى من الانتخابات، كشفت القرارات والأحكام الأخيرة عن حرص واضح على تصحيح المسار وصون الإرادة الشعبية، لتبقى نزاهة العملية الانتخابية حقيقة لا مجال للتفريط فيه. وأكد ذلك حقوقيون تابعوا العملية التصويتة بمنتهى الأمانة والشفافية .
تسعى مصر إلى تعزيز فعالية مجلس النواب من خلال تحسين أدواته التشريعية والرقابية. من المتوقع أن يتم تفعيل المزيد من أدوات التكنولوجيا، مثل المجلس الإلكتروني، للتواصل بصورة أسرع مع المواطنين ومشاركتهم في العملية السياسية. في ضوء الانتخابات القادمة، سيكون من المهم أن يواصل المجلس العمل على احترام حقوق جميع الأطراف وتعزيز الشفافية في إجراءاته.
مثل مجلس النواب حجر الزاوية في النظام الديمقراطي المصري، وله دور محوري في تشكيل مستقبل البلاد. إن تحديات المرحلة الحالية تمهد الطريق لابتكارات جديدة في مجال التشريع والمشاركة العامة. فهم دور المجلس وأهميته يمكن أن يسهم في بناء مجتمع أكثر تفاعلًا ونشاطًا سياسيًا.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










