لم تكن الحياة يوما عادلة. كانت دائما تُلقي بأثقالها على ظهور الذين لا حول لهم ولا قوة، ثم تبتسم بسخرية باردة كأنها تقول: “هذا نصيبكم … فتقبّلوه.” ولعل أعظم المآسي تلك التي لا تأتي من الشوارع، ولا من قسوة الزمن، بل من داخل الأسرة. من المكان الذي وُجد ليحمي، فإذا به يصبح أول العواصف في رحلة الشتاء والصيف.
كنت طفلا يوم رأيته لأول مرة. رجل في الستين، يمشي كمن يحمل العالم فوق كتفيه، وخلفه صغير قاصر بثياب مهترئة. على جبينه شريط خرير أخضر يشده الأب بإحكام، كتميمة أو بركة زائفة. لم يكن الطفل يشبه محاربي نينجا اليابان كما كنا نراهم في رسوم الصغار. لم يكن مقاتلًا، ولا بارعًا، ولا خارقًا. كان مجرد طفل محاصر داخل جسد لا يطاوعه وعقل لم يكتمل نموه.
لكن الأب، كان يرفض مواجهة الحقيقة. يتحايل على القدر، ينسج أكاذيب صغيرة حول “بركة الطفل” و “كراماته”، كأن العالم سيتسامح مع ضعفه إن صدق أنه مقدس. وهنا أتذكر قول الكاتب الإسباني ميجيل دي أونامونو: “يختبئ الإنسان خلف الخرافة خوفا من مواجهة الحقيقة.”
كان الطفل يبتسم. ابتسامة يصعب تفسيرها في عالمٍ أكلته المخاوف. لم يكن يبتسم مجاملة، ولا طمعًا في شيء؛ كان يفعل ذلك لأن روحه لم تلمسها خطيئة الإنسان بعد. كنت أتمنى أن أقدم له تفاحة أو قطعة حلوى، ليس لأنني كنت قادرًا، بل لأن قلبي كان يريد. لكن كما يقول الفقراء: “العين بصيرة واليد قصيرة.” لم يكن لدي إلا الدعاء، دعاء طفلٍ لطفلٍ مثله، يرفعه إلى السماء لعلّها تستجيب حين تصمّ المدينة آذانها.
ومرت الأيام كقطار لا يتوقف. ومات الأب، وسقطت معه آخر خدعة حاول بها ستر بؤسه. لم يترك وصية، ولا ذكرى، ولا سندًا للطفل. ترك فقط امرأة منهكة وطفلاً يبحث عن معنى الحياة وهو لا يعرف معناها. الطفل، بعد رحيل أبيه، بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا. لم يعد يبتسم كما كان. صار ظلًا يمشي على الأرض، جسدًا بلا صوت، لا يسمعه أحد سوى أمه. وهنا يأتي قول الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي ليضيء المشهد: “الإنسان قد يعتاد على كل شيء، حتى على العيش في العدم.”
اشتد الفقر، لا كحالة مالية، بل كوحش يلتهم كل شيء. كانت الأم تخرج إلى الأزقة تجمع دراهم قليلة، لا تكفي لشراء رغيف ولا دواء. ومع كل صباح، كانت تعود أقل قوة، أكثر تعبا، وكأنها تحمل همّ الدنيا وحدها. الفقر ليس عارا، لكن العار أن يعجز العالم بأسره عن رؤية طفل يتساقط أمامه دون أن يمد له يدًا، الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور قال يوما: “الحياة تتأرجح بين الألم والضجر.” لكن هذه الأسرة لم تعرف الضجر أبدًا؛ لم تعرف إلا الألم، الألم فقط.
وفي ليلة باردة، كأنها من شتاء لا ينتهي، مرض الطفل. لم يكن مرضًا بسيطا، ولا صداعا عابرًا. كان سقوطًا كاملا، كأن الجسد أعلن الاستسلام. لزم الفراش. ذلك الفراش الذي لم يكن يومًا للراحة. كان دائما فراش انتظار، انتظار النهاية أو انتظار معجزة لا تأتي. تدهورت حالته حتى صار كغصن مبلل يبحث عن شمس لا تظهر. وفي لحظة، بلا ضجيج، بلا صرخة، مات الطفل. مات كما يموت الفقراء: في صمت كامل، بلا ضوء، بلا عزاء، بلا شاهد.
رحل الابن، وبقيت الأم وحيدة في عالم لم يمنحها شيئًا سوى الخسارة. أصبحت تُطِلُّ في كل صباح على الحياة كأنها تتفقد قبراً لم تُدفن فيه بعد. كانت تقول في سرّها، وربما بصوت مسموع: “لم تعد الحياة حياة، ولا الزمن زمنًا. كل شيء صار أقرب إلى النهاية.” هكذا انتهت رحلتها، رحلة شتاء لا يأتي بعدها صيف، وصيف لا يتبعه شتاء. رحلة الألم الصامت الذي لا يدوَّن في كتب التاريخ، لكنه يظل محفورًا في ذاكرة من رآه.
إن حكاية الطفل الأخضر ليست حكاية طفل واحد. إنها حكاية آلاف – وربما ملايين – من البشر الذين سقطوا دون أن ينتبه لهم أحد. وهي تذكير بأن الإنسان، مهما كان ضعيفًا، يحمل داخله ضوءا صغيرا، ذلك الضوء الذي يجعلنا نبتسم، نرحم، ونتأمل. كما قال الفيلسوف اليوناني سقراط: “حياة بلا تأمل، ليست حياة تستحق أن تعاش. وهذه القصة، بكل ما فيها من ألم، دعوة إلى التأمل، لنفهم أن خلف كل ابتسامة بريئة، قد يوجد عالم كامل من المعاناة لا يراه أحد.










