كنت أقضي الأسبوع كله في قصر بياض ، من السبت إلى الخميس ، وإجازتي الأسبوعية بعد أعمال الخميس والجمعة ، ثم أعود يوم السبت إلى عملي . أقضي اليوم صباحاً في الكشف على المرضى ، وبعد انتهاء الكشف أجلس بعض الوقت في المعمل مع الأستاذ محمد عبد المجيد ، يحكي لي عن حياته ، وأنه كان سيلتحق بمدرسة الصنايع ، إلا أنه لم يقبل لقصر قامته ، فرقت معه سنتيمترا أو سنتيمترين ، ليعمل بعد ذلك مساعد معمل بالإعدادية . يتحسر على مصيره هذا . رجل طيب جدا ، بشوش الوجه ، وإبنته الممرضة بالوحدة غاية في الأدب والذوق . وأجلس أحيانا مع كاتب الوحدة الأستاذ علي ، يحب تعاطي الأدوية ، يدخل معي الصيدلية ، تعجبه ألوان الأدوية ، يقول لي : الشريط الأحمر ده بتاع إيه . أقول له : ده بروفين بتاع الالتهابات. يقول لي : هات شريط يا دكتور يحيى. أعطيه شريطا ، ويخرج حبة ويبتلعها ، ويضحك ، ويقول : إحنا تعبانين ، وكله دوا . علي شاب في الثلاثينيات من العمر ، مهذب ، خفيف الظل . ومساء أجلس مع عمي حسن الحرات ، يحكي ، وأنا أستمع . ويوم الخميس ، أجهز حقيبتي من اليوم السابق ، أكون قد اشتقت إلي بيتي وبلدي وصلاة الجمعة في مسجد الرحمة ورؤية والدتي وأهلي أنا ضعيف نفسيا ، لا أقوى على البعد عن بلدتي ربما لأنني الولد الوحيد بعد أربع بنات ، فكنت دائما محل الخوف الشديد من والدي ربما لأنني فقدت والدي وأنا في الخامسة عشر عاما من عمري . أنتهي من شغل العيادة ، وأمشي على قدمي إلى قرية العجميين ، ومنها إلى أبشواي ، فلا توجد مواصلات في قصر بياض . العجميين قرية أم ، كبيرة وعامرة . لو نقلت إلى قرية العجميين لكان خيرا لي . لكن ليس أي طبيب يحظى بهذه الوحدة الصحية الكبيرة . مشوار كبير من قصر بياض لدماص . لكنه فسحة جميلة .. هواء الفيوم جميل.. وأنا في ذلك الوقت شاب في العشرينات من العمر ، أحب السفر والحركة . تكفي المناظر الخلابة التي أراها على جانبي الطريق من الفيوم إلى القاهرة ، النخيل والزرع .. و الفلاحون وهم يعملون في الحقول .. والماشية وهي ترتع في حقول البرسيم .. أنا محظوظ بهذا الجمال الذي أراه في الذهاب والإياب . وبعد وصولي لأبشواي أركب من أبشواي للفيوم . وفي مدينة الفيوم أركب الحافلة ( الباص ) للقاهرة وفي الباص شحاذة عجوز نحيفة جدا تسأل ، وإذا لم يعطها أحد ، تقف وتقول بصوت عال : هو إيه اللي حصل يا ولاد ؟ ما حدش معاه فلوس ؟ لو عايزين فلوس خدوا . فيضحك الركب من خفة ظلها ، وتلقائيتها ، وطريقتها الغير مألوفة في الشحاذة .










