أن عددًا كبيرًا من الدول أبدى اهتمامًا بالمساهمة في هذه القوة، سواء عبر إرسال قوات أو تقديم دعم لوجستي وفني، مشيرين إلى أن الإدارة الأميركية تدرس إمكانية تعيين جنرال أميركي برتبة نجمتين لقيادة القوة الدولية، دون اتخاذ قرار نهائي حتى الآن.
أن القوة الدولية المقترحة لن تكون مكلفة بمقاتلة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في وقت لا تزال فيه مسألة نزع سلاح الحركة غير واضحة المعالم، ولم تُحسم الآليات التي يمكن من خلالها تنفيذ ذلك.
وفي هذا الإطار، تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على كيان الاحتلال للانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تقوم أساسًا على نزع سلاح القطاع وتفكيك حركة حماس، مقابل استكمال انسحاب قوات جيش الاحتلال من قطاع غزة.
ان الخطة لا تزال مقترحاً قيد الطرح والنقاش وليست قراراً نهائياً أو برنامجاً معتمداً بعد، وأن المشروع أثار جدلاً سياسياً واسعاً حول مستقبل غزة، ودور واشنطن، والبعد السياسي والاقتصادي للخطة، ولم تعلن بعد أي تفاصيل رسمية حول موقف الفلسطينيين أو الأطراف الإقليمية من المشروع.
أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار في غزة، حيث واصلت إسرائيل ضرب أهداف تابعة لـ”حماس”، بينما أعادت الحركة المسلحة تأكيد سيطرتها على القطاع منذ اتفاق السلام الذي توسطت فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب في تشرين الأول الماضي.
وقال المسؤول الأميركي “لهذا السبب لدينا شعور بالإلحاح لإكمال المرحلة الأولى، وهي إنشاء مجلس السلام وسلطة أو هيئة فلسطينية من التكنوقراط ستكون على الأرض، ثم تأتي قوة تحقيق الاستقرار بعد ذلك مباشرة”. وأشار إلى إحراز تقدم في الآونة الأخيرة في تحديد الفلسطينيين الذين سينضمون إلى مجموعة التكنوقراط. وقال إن واشنطن تهدف إلى تشكيل هيئات الحكم “قريباً جداً”، دون أن تقدم جدولاً زمنياً محدداً.
بين رغبة نتنياهو في تشكيل “قوة تنفيذية” لفرض نزع السلاح من المقاومة، ورفض الدول المشاركة لأي دور يتجاوز مراقبة وقف إطلاق النار وحماية الفلسطينيين، تتزايد التساؤلات حول قدرة واشنطن على تشكيل قوة لحفظ وقف إطلاق النار والفصل بين الجانبين.
هذه التحركات الأمريكية لتشكيل القوة الدولية، وإرسالها إلى قطاع غزة تأتي بعد إقرار مشروع القرار في مجلس الأمن، ما يعكس تصميم إدارة ترامب على تسجيل إنجاز في الملف الفلسطيني، وسط تعقيدات سياسية وقانونية ودولية تحيط بمهمة القوة.
بعدما استضافت القيادة المركزية الأميركية مؤتمراً في الدوحة هذا الأسبوع مع دول شريكة للتخطيط لقوة تحقيق الاستقرار الدولية في غزة. إن من الممكن نشر قوات دولية في القطاع في وقت مبكر من الشهر المقبل، بعدما صوت مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على تفويض القوة. ولا يزال من غير الواضح كيف سيتم نزع سلاح “حماس”، إضافة إلى أن الدول التي تفكر في المساهمة بقوات في قوة تحقيق الاستقرار الدولية تتخوف من أن تشرك الحركة جنودها في القتال.
أن التحدي الأكبر أمام تشكيل القوة يبقى هو التوافق الدولي على مهامها وصلاحياتها. رفض العديد من الدول المشاركة في القوة إلا بعد وجود تشريع أممي واضح، يضمن أن تكون مهمتها مراقبة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين دون الانخراط في أعمال قتالية مباشرة.
ينبغي أن يتجاهل مجلس الأمن ميثاق الأمم المتحدة والكثير من القوانين الدولية ومن قراراته السابقة، لكي يقر مشروع القرار الأمريكي لتنفيذ «الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة». فالمشروع، بنصه الحالي يتطلب كثيراً من النقاش والتعديل، وإلا فإنه سيقر رسمياً ونهائياً الفصل بين القطاع والضفة الغربية، بإضفائه «شرعية دولية» على كيان هجين يسمى «مجلس السلام» ولا سلطة لمجلس الأمن في تشكيله وتحديد دوره ومراقبة عمله، ليصبح أقرب إلى «مجلس وصاية استعمارية» نظراً إلى تحكمه بكل شيء، وبمعايير حددتها إسرائيلية تتكفل واشنطن بتمريرها. كما أن المشروع الذي يهدف إلى قوننة إنشاء «قوة الاستقرار الدولية» يترك الدول المشاركة في غموض بالنسبة إلى مهمات جنودها، وإذا أدخلت عليه تعديلات كثيرة قد لا يرضي واشنطن.
ليس سراً أن إسرائيل لم تكن تحبذ إقحام «خطة ترمب» في مجلس الأمن لاستصدار قرار ملزم لها، لأن لها تاريخاً طويلاً من احتقار الأمم المتحدة وانتهاك قراراتها المتعلقة بالشأن الفلسطيني. ومع أنها شاركت في صوغ المشروع الأمريكي فإنها تأمل أن تؤدي الصياغات الملغمة بالعموميات والمتروكة للتفاوض إلى نسفه، فتضطر واشنطن بعدئذ للعودة إلى فكرة تشكيل «قوة الاستقرار» باتفاق دولي خارج الشرعية الدولية هذه وتكون مرجعيته الولايات المتحدة لا مجلس الأمن.
واستباقاً لأي قرار يعطي صلاحيات ميدانية للقوة الدولية ويقيد حركة جيشها، تحاول إسرائيل انتزاع مذكرة أمريكية تضمن «حقها» في مواصلة عملياتها العسكرية داخل قطاع غزة، وسبق لها أن حصلت على ضمانات كهذه بعد حربَي 2006 و2024 ضد ميليشيا «حزب الله» الإيرانية في لبنان. وكان مفهوماً أن واشنطن وإسرائيل تهمشان قوات حفظ السلام في جنوب لبنان (اليونيفيل).
لكن الصلاحيات المفترضة لـ«قوة الاستقرار» تجعلها «قوة إنفاذ»، والمهمات المتوقعة منها تختلف عن «حفظ السلام»، وبالتالي فإنها ستكون منخرطة في عملية «نزع سلاح حماس» والفصائل الأخرى. وإذ يشير المشروع الأمريكي إلى «تنسيق وتعاون كاملين بين مصر وإسرائيل»، فهذا يفترض إما أنه جرى التفاهم معهما على عمل مشترك ضد «حماس»- وهو ما لم يحصل سابقاً وليس مؤكداً أن مصر توافق عليه، أو أن هذا شرط شارط لوجود «قوة الاستقرار»، ولا يستبعد أن يقلص عدد الدول الراغبة في المشاركة في هذه القوة.
إذا أضيف إلى ذلك أن إسرائيل ستستمر في عملياتها، بأجندتها الخاصة وانتقاميتها المعروفة، وبحجة خبرتها بالأرض والأنفاق والبنى التحتية لـ«حماس»، فإنها لن تكون عندئذ عاملاً مساعداً بل مخرباً، وقد تعرض عناصر القوة الدولية للخطر أو تصطدم بها.
والمعروف قبل تشكيل هذه القوة «العربية- الإسلامية»، أن أهداف الدول المنضمة إليها تتناقض مع تلك الإسرائيلية، فهي ترمي أساساً إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، وتأمين ما أمكن من الخدمات المعيشية والطبية للغزيين، وإنشاء وضع يسمح ببدء ورشة إعادة الاعمار؛ لكن الأهم أنها تريد المساهمة في التمهيد لأفق سياسي يتيح تنفيذ «حل الدولتين» حتى لو لم يرد ذلك بوضوح في «خطة ترمب»…
هذه أهداف لا يمكن أن تكون إسرائيل معنية بها في أي ظرف، وكما استطاعت عبر ترمب وخطته استبعاد أي دور فلسطيني تحت مظلة السلطة الفلسطينية (المعترف بها دولياً)، فإنها ستحبط أي «تفاهمات» مع «حماس» أو الزامات لها في شأن سلاحها ومصير عناصرها، حتى لو تمت بموافقة أمريكية. وتعتقد مراجع عدة أن إسرائيل تمكنت فعلاً من اضعاف «اتفاق غزة»، سواء بتجميد الشروع في مرحلته الثانية، أو بتعنتها في شروط فتح معبر رفح للحد من دور مصر،
أو بالتلاعب بآليات توزيع المساعدات وتحسين الخدمات للحد من دور وكالات الأمم المتحدة، أو بخرقها اليومي لوقف إطلاق النار… فهذه ليست سوى عينات من العراقيل المفتعلة لإضعاف الاتفاق. وبطبيعة الحال فإن إسرائيل ترفض أن تستخدم «قوة الاستقرار» القوة ضد انتهاكاتها وعدوانيتها وتحكمها بالمعابر والمساعدات.
لا يزال نجاح «خطة ترمب» أولوية أمريكية، لكن واشنطن لا تبدو مدركة أن شروط إسرائيل كفيلة بإفشالها، أو أنها مدركة لكن ملتزمة فرضها على الدول المشاركة في «قوة الاستقرار»، بمنحى ترغيبي- ابتزازي: إما قبول تلك الشروط أو إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لاستئناف الحرب… ولا يزال الرئيس ترمب يردد أن «عملية السلام في غزة تسير على ما يرام»،
وهو قال أخيراً إن عمل «قوة الاستقرار الدولية» سيبدأ «قريباً جداً». وعلى رغم وجود «خلافات» بين واشنطن وإسرائيل في تقييم ما تحقق حتى الآن وما يبقى وهو الأصعب فإن الأهم عندهما أن الرهائن استعيدوا وأن الدمار الهائل سيبقى متحكماً بمستقبل غزة لسنوات طويلة، لكنه يتيح إمكانات عظيمة لمشاريع عقارية ضخمة، ثم إن هناك «شركاء» لاستكمال المهمة وجعل غزة «كياناً دولياً» يعيش ويعمل فيه فلسطينيون لكن بلا هوية فلسطينية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










