اللغة العربية تراتيل النو، قدس الأقداس شمس الحقيقة إيقاع الوجود في اليوم العالمي للغة العربية، لا نحتفل بلغةٍ بوصفها وسيلة، بل نحتفي بكائنٍ حضاريّ حيّ، لغةٍ لم تُخلق لتسمية الأشياء فقط، بل لتنظيم الوجود، وضبط إيقاع المعنى، ومنح العالم صوته الداخلي.
العربية ليست لغة قوم، بل لغة رؤية؛ ليست أداة تواصل، بل موسيقى كونية إذا نُطقت انتظم المعنى، وإذا غابت اختلّ الميزان.
العالم لا يعترف إلا بالقوة، غير أن القوة ليست سلاحًا وحده؛ أحيانًا تكون لغةً تمتلك القدرة على تسمية الحقيقة. ومن هنا لم يكن اعتراف المنصات الدولية بالعربية مجرّد لفتة ثقافية، بل نتيجة لحظة تاريخية فارقة، حين فرض انتصار أكتوبر 1973 حضور العروبة، فأدرك العالم أن أمةً تهزم عدوًا قيل إنه لا يُقهر، لا بد أن تكون لغتها جزءًا من سرّ هذا الانتصار.
لكن هذه اللغة، على جلالها، تواجه حرب وجود ممتدة. منذ الاستعمار الغربي، لم يكن الاستهداف للأرض وحدها، بل للإنسان في وعيه، وكان الطريق إلى ذلك هو تفكيك اللغة. فالطفل الذي يبدأ حياته بموسيقى القرآن، ثم يتشرّب الفصحى في الكتاتيب، لا يتعلّم الكلام فحسب، بل يتكوّن داخله نظامٌ فكريّ يرى العالم متماسكًا ذا معنى. لذلك كانت الحرب على الكتاتيب، وعلى الفصحى، حربًا على الوعي قبل اللسان.
ومع تغيّر الأزمنة، تغيّرت أدوات الهجوم، وبقي الهدف واحدًا: إزاحة العربية من الفضاء العام، وتحويلها إلى لغة طقوس لا لغة حياة، ولهجات متجاورة بلا مركز، ومعرفة مستوردة بلا روح.
في مواجهة هذا التيه، ظلّ مجمع اللغة العربية في مصر حارسًا للنغمة الأولى، يقاوم بالفكر والتقنين. ومن هنا جاءت الدعوة إلى قانون شامل لحماية اللغة، لا بوصفه تقييدًا، بل استعادةً للهيبة: في أسماء الشوارع، وفي التعليم، وفي الإعلام، وفي خطاب الدولة.
إن تعريب العلوم ليس انغلاقًا، بل حقّ اللغة في إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط. وضبط لغة الإعلام ليس وصاية، بل تحرير للذوق العام من الفوضى. فالعربية لغة قادرة على استيعاب الفلسفة والعلم معًا، وقد فعلت ذلك عبر قرون، حين كانت لغة العالم المتعلّم.
حماية العربية ليست ترفًا ثقافيًا، بل مسألة أمن وجودي. فمن يفقد لغته، يفقد إيقاعه الداخلي، ومن يفقد الإيقاع، يعجز عن السير في الزمن بثبات.
العربية لا تطلب امتيازًا، بل تستعيد مكانتها الطبيعية:
ملكةً للمعنى، وموسيقى للوجود، ولسانًا حين يعجز الكلام.
.










