يتمحور الحل السياسي المستدام في اليمن حول تسوية شاملة تتضمن حواراً يمنياً-يمنياً، تقاسم السلطة، وترتيبات أمنية وعسكرية لإنهاء الانقسام. يرتكز الحل على دعم جهود الأمم المتحدة والوساطات الإقليمية (مثل عمان)، ونقل السلطة لمجلس رئاسي توافقي، مع خيارات تشمل لامركزية إدارية واسعة أو فيدرالية لمعالجة القضايا الجنوبية.
بادئ ذي بدء، يجب إقناع الحوثيين بخفض سقف تطلعاتهم، لا سيما وأنهم يطمحون حالياً إلى السيطرة على مناطق اليمن بشكل كامل من خلال خارطة الطريق التي يعرضها عليهم السعوديون. من جهة أخرى، تحتاج الحكومة إلى أن تصبح ثقل موزان يُعوّل عليه لردع الحوثيين، وأن تطالب باتفاق عادل لتقاسم السلطة وأن تحافظ عليه. هنا، يجب استيفاء شرطين أساسيين لتمهيد الطريق أمام حل سياسي للصراع في اليمن:
الشرط الأول هو تعزيز القدرات الدفاعية للقوات الحكومية، ومعالجة الاختلال الهائل في توازن القوى العسكري بين الحوثيين والحكومة. على الحوثيين أن يعوا بأن حقول النفط والغاز في مأرب وشبوة يجب أن تظل بعيدة عن قبضتهم. بعبارة أخرى، يجب اتباع سياسة العصا (أي ضمان وجود مثل هذا النوع من الردع، إلى جانب نظام عقوبات يستهدف الشركات الوهمية التابعة للحوثيين) والجزرة (توفير التمويل لجهود إعادة الإعمار والتنمية كجزء من اتفاق سلام )
بين المركز والأطراف: أزمة السلطة التاريخية لم يكن الصراع في اليمن يوما مجرد صراع آني نتج عن أحداث 2011 أو انقلاب 2014، بل هو امتداد لاختلالات بنيوية عميقة في شكل الدولة نفسها. فمنذ قيام النظام الجمهوري، في كلا الشطرين،
عانى اليمن من مركزية شديدة في القرار السياسي والأمني والاقتصادي، تركزت في العاصمة، وأديرت من خلال شبكات نفوذ عسكرية وقبلية وسياسية، ما أدى إلى تهميش واسع للمحافظات والمناطق الطرفية. وعند هذا المشهد، يستحضر الكثيرون ما ينسب للرئيس الراحل علي عبدالله صالح عند وصفه حكم اليمن بأنه “كالرقص على رؤوس الثعابين”.
يتميز اليمن بتنوع جغرافي واجتماعي ومذهبي وقبلي واضح، يتوزع بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، والساحل والمرتفعات والصحراء، والمراكز الحضرية والأرياف.
هذا التنوع، الذي كان يمكن أن يشكل مصدر غنى وقوة، تحول في ظل الدولة المركزية الضعيفة إلى عامل توتر وصراع، خصوصا عندما غابت آليات التمثيل العادل والمشاركة السياسية الحقيقية.
أضف إلى ذلك محاولة القفز على الواقع والتاريخ: فاليمن كان جمهوريتين يمنيتين قبل الوحدة، والجنوب كان مستعمرة (عدن) ومحميات شرقية ومحميات غربية قبل خروج الاستعمار البريطاني. وفي ظل غياب إحصاءات سكانية دقيقة وحديثة، وصعوبة الحديث عن توزيع سكاني أو اقتصادي متوازن بين المحافظات، يصبح أي نقاش حول اللامركزية محفوفا بالمخاوف: هل ستؤدي إلى تمكين المجتمعات المحلية، أم ستكرس الانقسام وتحول المحافظات والأقاليم إلى كيانات متنافسة أو متنازعة؟
في الحالة اليمنية، يختلط النقاش حول اللامركزية بالنقاش حول شكل الدولة نفسها: دولة اتحادية من عدة أقاليم؟ دولة بسيطة مع صلاحيات موسعة للمحافظات؟ أم ترتيبات انتقالية خاصة ببعض المناطق، مثل الجنوب، في انتظار تسوية وطنية شاملة؟
اللامركزية كحل.. وشروط النجاح
كما في تجارب الدول الخارجة من النزاعات، غالبا ما تقدم اللامركزية كأداة لتقريب السلطة من المواطنين، وتحسين تقديم الخدمات، وتقليل فرص العودة إلى العنف. غير أن تبني هذا الخيار في اليمن لا يمكن أن يكون وصفة جاهزة، بل هو مشروط بعدة عوامل أساسية:
أولا؛ وجود سلطة مركزية شرعية وقادرة:
فالمفارقة أن نجاح اللامركزية يتطلب مركزا قويا، لا مركزا غائبا أو منهارا.
دون حكومة مركزية تمتلك احتكارا نسبيا لاستخدام القوة، وقدرة على التنسيق والرقابة وإعادة التوزيع المالي، ستتحول اللامركزية إلى غطاء للفوضى أو للتفكك.
ثانيا؛ وطنية الفاعلين السياسيين:
فاللامركزية السياسية في بيئة تهيمن عليها قوى ذات مشاريع مناطقية أو انفصالية قد تفتح الباب أمام تكريس الانقسام، لا إدارته.
وهذا التحدي حاضر بقوة في اليمن، خاصة في المحافظات الجنوبية والشرقية، حيث تتقاطع الدعوة إلى الحوار الجنوبي-الجنوبي مع أسئلة الهوية السياسية والعلاقة مع بقية اليمن.
ثالثا؛ وضوح الصلاحيات وتدرج التطبيق:
يجب التمييز بين اللامركزية الإدارية، التي تركز على تحسين إدارة الخدمات، واللامركزية السياسية، التي تمنح سلطات تشريعية وتنفيذية محلية. في السياق اليمني، قد يكون التدرج، والبدء بتعزيز الإدارة المحلية والموارد، خيارا أكثر أمانا من القفز مباشرة إلى ترتيبات سياسية معقدة.
الجنوب واللامركزية: بين الحوار والمخاطر
تأتي الدعوة إلى حوار جنوبي-جنوبي في لحظة حساسة، تعكس إدراكا متزايدا داخل “الجنوب” أن الانقسام الداخلي، كما برز في أحداث حضرموت الأخيرة، لا يقل خطورة عن الخلاف مع الشمال. ويمكن لمثل هذا الحوار أن يشكل فرصة لإعادة تعريف المطالب الجنوبية، وصياغتها في إطار سياسي أكثر شمولا وواقعية.
التحدي الأهم هو في تركيبة المشاركين الذين يقدر عددهم حتى الآن بنحو 80 عضوا، ويلحظ الباحث السياسي الجنوبي رضوان العتيقي أسئلة حول التمثيل الجغرافي إذ “توزع المشاركون المحتملون بين 38 من الضالع، و22 من عدن، و6 من المهرة، و5 من لحج، و4 من يافع، و3 من حضرموت، و2 من شبوة، وعضو واحد من أبين، وعضو واحد من ردفان”. ويرى العتيقي أن هذا يطرح سؤالا حول علاقة تمثيل الجنوب تمثيلا عادلا وشاملا.
تحدٍ مهم آخر، وهو أن عقد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي ليس في جنوب اليمن وسط فوضى سياسية عارمة لا سابق لها في تاريخ جنوب اليمن أو شماله، وفي ظل فرقة وخلافات عميقة وبالغة التعقيد خصوصا بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة والفظائع التي جرت، وكشفت عن بعض الانتهاكات التي جرت منذ نحو عشرة أعوام وانسحاب دولة الإمارات من محافظات الجنوب وإعلان “المجلس الانتقالي الجنوبي” الموالي لها عن حل نفسه. في المقابل، هناك تقدير لدور محوري تقوم به السعودية.
السجالات العالية التي تشهدها الرياض بين بعض الشخصيات الجنوبية المرشحة تظهر أن مطلب “الانفصال” ليس محل إجماع بين الجنوبيين، وأن الخلاف حول هذا الأمر يطرح ضرورة نجاح الحوار في التوصل إلى توافق حول سبل معالجة “القضية الجنوبية” من خلال حل سياسي شامل في إطار اليمن كله. ومع افتراض إعلان الجنوب كدولة مستقلة في خطوة استباقية، فالمتوقع أن تتعرض لحصار ومقاطعة، ما يجعل سلطة الجنوب الانفصالية غير جديرة بالوفاء بمتطلبات إدارة الدولة وتوفير احتياجات اليمنيين الجنوبيين، الأمر الذي سوف يثير اعتراضات جنوبية لن تتوقف عند المواقف السياسية، بل المرجح أن تتطور إلى مواجهات عسكرية. ومع افتقاد المناصرين الدوليين الأقوياء، يصبح خيار الانفصال أمراً كارثياً بكل معنى الكلمة.
بعبارة أخرى، إن الانفصال حال إعلانه، لن يكون نهاية الصراع، بل المرجح أن يفتح أبواباً أخرى لصراعات على الموارد، وعلى شرعية الانفصال ذاته، واحتمالات مواجهات عسكرية موسعة بين القادة الجدد لجنوب اليمن وجماعة أنصار الله الحوثية المسيطرة على محافظات شمالية عديدة، ما سيفرز ضغوطاً على القوى الإقليمية ذات الارتباط بما يجرى يمنياً، ومن ثم سيمتد الأمر إلى نطاقات أخرى تخص توازن القوى في الخليج ككل، والقرن الأفريقى معاً.
ومثل هذه المخاطر المرجحة على النحو السابق تجعل من الجهود المكثفة التي يقوم بها الوفد السعودى لتثبيت دور الحكومة الشرعية، وإعادة الاعتبار لليمن الموحد، والتركيز على مواجهة الحوثيين سياسياً وعسكرياً، أمراً لا غنى عنه لليمن وللإقليم معاً.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










