بعد فترة نقاهة صحية دامت زهاء أسبوعين، لم أكن خلالها منسحبًا من الحياة، بل كنت أستعيدها على مهل، كما يُستعاد النفس بعد غوص طويل. كانت استراحة للجسد، نعم، لكنها قبل ذلك كانت مصالحة عميقة مع الروح. آثرت العزلة الجميلة، لا تلك التي تُشبه الهروب، بل عزلة الوعي حين يختلي بنفسه ليعيد ترتيب فوضاه. قرأتُ لا لأقتل الوقت، بل لأوقظه، واستمعتُ إلى موسيقى هادئة، لا لتخدير الألم، بل لترويضه، كما قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: “لا تُنقذك الموسيقى من الجراح، لكنها تعلّمك كيف ترقص فوقها”.
في هذا الصفاء، تسلل إليّ سؤال لم يكن غريبا ولا ساذجا، بل كان عقلانيا حتى العظم: هل سيفتقدني أحد؟ هل سيشعر بعض من محيطي الإنساني بغيابي، لا كفراغ جسدي فقط، بل كأثر معنوي، كنبض كان يمرّ من هنا؟ هل سيسألون عن صحتي، عن نفسي، عن حالتي: أتحسّنت أم أنهكني المرض أكثر؟ كان السؤال مشروعا، لأن الإنسان، مهما ادّعى الاكتفاء، يظل كائنا علائقيا، يُقاس حضوره بصداه في قلوب الآخرين، كما قال الكاتب الفرنسي جان بول سارتر: “نحن لا نعرف من نكون، إلا من خلال أعين غيرنا”.
لكنني، وأنا أبتسم لهذا السؤال، تذكّرت فجأة أننا نعيش زمنا فقد فيه المنطق بوصلة السير، وتراجع فيه العقل لصالح البرود والمصلحة. زمنٌ صار فيه الغياب عاديا، والحضور بلا قيمة، والإنسان رقما عابرا في يوم مزدحم. زمنٌ يصدق فيه قول الكاتب الفرنسي ألبير كامو: “أكبر مآسي الإنسان المعاصر أنه لم يعد يشعر بدهشة وجود الآخر”.
ومع ذلك، لم يكن المشهد قاتما كما توهّم العقل المتشائم. فقد أظهرت التجربة، مرة أخرى، أن الخير لا يضيع، بل يختبئ في القلّة. قلة نادرة، لكنها ثمينة. نسوة طيبات، أصيلات، سألْن عني بصدق لا يعرف المجاملة، وبقلب لا يحسب الربح والخسارة. ورجال، أضعهم دون تردّد في خانة “أصدقاء آخر العمر”، أولئك الذين لا يخذلونك حين تصمت، ولا ينسونك حين تغيب، ولا يحضرون فقط حين تكون قويا. رجال فهموا، بالفطرة لا بالتنظير، معنى قول الفيلسوف اليوناني أرسطو: “الصديق الحقيقي هو من يأتيك حين يذهب الجميع”.
هؤلاء لم يجعلوني خيارا مؤجلا، بل أولوية إنسانية. كانوا حضورا هادئا، لا صاخبا، دعما بلا استعراض، وسؤالا نقيا لا يجرح الكرامة. وبفضلهم، تحوّلت فترة النقاهة من انتظار سلبي إلى ورشة بناء داخلي. لهم أقول، بامتنان لا يشيخ: جزاكم الله خير الجزاء، لأنكم ذكّرتموني بأن الإنسانية لم تمت، بل تغيّر عنوانها فقط.
ومن رحم هذا الهدوء، ومن عمق هذا الامتنان، وُلد خبر يشبه الضوء بعد نفق طويل: لقد أنهيت، بحمد الله، كتابة مؤلفي الثاني الموسوم بـ “البحث عن الحقيقة”، بعد أن وفّقني الله سابقًا في إنجاز الجزء الأول من مؤلفي الأول “الحياة ألم وأمل”. لم تكن الكتابة عندي يوما ترفا، بل ضرورة، ولا وسيلة للشهرة، بل فعل نجاة. أكتب لأنني أؤمن، كما قال الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: “الكتابة محاولة لإنقاذ المعنى من التلاشي”.
هذا المسار الأدبي لم يزدني إلا حماسة، لا حماسة الادعاء، بل حماسة الاستمرار. حماسة أن أستثمر ما تبقى من طاقة فكرية، وأن أضيف، ولو بحجر صغير، إلى صرح الكلمة الصادقة. كلمة تؤلم أحيانًا، لكنها لا تكذب. كلمة تشبه صاحبها: بسيطة، صلبة، ومشاكسـة، كما قال الكاتب المغربي محمد شكري، الذي علّمنا أن الصدق فضيحة جميلة: “الكتابة الحقيقية هي أن تكتب وأنت عارٍ من الأقنعة”.
وهكذا، أعود من النقاهة لا كما دخلتُها. أعود أخفّ، أصفى، وأكثر يقينا بأن الإنسان يُقاس بمن بقي إلى جانبه في لحظات السكون لا الضجيج، وبأن الكلمة الصادقة، مهما حوصرت، تظل قادرة على فتح نافذة في جدار هذا العالم القاسي، كما قال الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي: “تشاؤم العقل لا يجب أن يقتل تفاؤل الإرادة”.
وأنا اليوم، أكتب بإرادة متفائلة، وبقلب لا يزال يؤمن أن للحقيقة طريقا، مهما طال، وأن للكتابة دورا، مهما تجاهلها الواقع.










