اغتصابُ الرجال من قِبل إناث ليس استثناءً بيولوجيًا ولا مفارقة خيالية، بل حقيقة اجتماعية يرفض الوعي الجمعي الاعتراف بها
كمن يُغلق عيون المجتمع على بحر هائج ويصر على أن لا أمواج فيه. فالاغتصاب، في المخيال العام، ليس فعل إكراه بقدر ما هو مشهد محفوظ:
رجل فاعل
وامرأة ضحية
وكأن العدالة نفسها قد وضعت قيدًا على الجسد ليظل مسرحًا لمسرحية محددة مسبقًا. وحين يقع العنف خارج هذا القالب، لا يُعاد تعريف الجريمة
بل يُلغى وجودها من الأساس، وكأن الواقع مطالب بأن يخضع للصورة الذهنية لا العكس، مثل كتاب يحذف كل سطر يعكر ترتيب الصفحات.
المشكلة لا تبدأ من القانون وحده، بل من اللغة نفسها؛ فاللغة التي لا تمتلك شجاعة تسمية اغتصاب الرجل، تُشارك ضمنيًا في إنكاره،
كمن يُسكت على النار في غرفة ويكتفي بالتظاهر بأن الدخان مجرد ضباب. إنها لغة تربط الجريمة بهوية الفاعل لا بطبيعة الفعل، وتحوّل العدالة إلى رواية انتقائية، كلوحة فنية تُمسح كل الألوان الداكنة ليظهر فقط ما يرضي العين.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى جسد الرجل بوصفه مساحة قابلة للانتهاك، بل ككيان مفترض الصلابة، دائم الرغبة، كامل السيطرة، وكأن الذكورة حصانة أخلاقية ضد الإكراه، لا حالة إنسانية يمكن أن تُكسَر، مثل تمثال من الرخام يُتوقع أن يصمد لكل العواصف.
لكن الفلسفة الأخلاقية، حين تُنزع عنها الأوهام، تقول بوضوح إن الجسد لا يفقد قابليته للانتهاك لأن صاحبه ذكر
، وإن الإرادة لا تُلغى لأن المجتمع يتوقع من الرجل أن يكون قويًا.
كما ان الإكراه لا يحتاج عضلات، بل يحتاج سلطة، وسياقًا مختلًا، ولحظة ضعف يُمنح فيها المعتدي شرعية الصمت، مثل من يغلق على المفتاح باب حريق ويمنع الآخرين من الهروب.
ولهذا وُثِّقت في سجلات القضاء، خاصة في الغرب، قضايا لنساء اعتدين جنسيًا على رجال، سواء عبر حقنهم بمنشطات ، أو داخل علاقات غير متكافئة في السن
أو السلطة أو العمل، أو في حالات مدرّسات اعتدين على طلاب قُصَّر، ومع ذلك نادرًا ما تُناقش هذه القضايا خارج إطار الفضائح العابرة
كأرض مغمورة بالمياه يُكتفى بسطحها اللامع دون الغوص في أعماقها.
وحين يحاول الرجل المغتصَب الكلام، لا يُستقبل بوصفه ضحية، بل بوصفه متهمًا.
يُسأل لماذا لم يقاوم
ولماذا لم يرفض
وهل كان مستمتعًا،
وكأن الجريمة لا تُقاس بالإكراه بل بمدى توافقها مع أسطورة الرجولة، مثل كمن يُتهم بالعجز عن النجاة من موجة لم يكن يملك أي وسيلة لمواجهتها. هذه الأسئلة ليست بريئة
بل هي عقاب أخلاقي يُفرض على من كسر صورة الذكر الذي لا يُقهَر. وهكذا يُدفن الاعتداء مرتين: مرة في الجسد، ومرة في الصمت المفروض اجتماعيًا، مثل جرح يُغطى بالثلج فلا يبرح مكانه لكنه يستمر في الألم.
الأخطر من ذلك أن بعض الخطابات التي تدّعي الدفاع عن الضحايا، تسقط في فخ الاحتكار الأخلاقي، فتربط مفهوم الضحية بجنس واحد
وتحول العدالة من مبدأ إنساني إلى امتياز سردي، كمن يُسمح له بالمرور عبر جسر فقط لأنه يحمل علمًا محددًا.
وهنا يتضح ان إنكار اغتصاب الرجال لا يحمي النساء، بل يُفسد فكرة العدالة نفسها، لأن العدالة التي تختار ضحاياها سلفًا ليست عدالة
بل دعاية أخلاقية. الدفاع الحقيقي عن الإنسان يبدأ حين نكفّ عن تصنيف الألم، ونعترف بأن العنف لا هوية له، مثل نهر يتدفق بلا حدود، لا يمكن حصره في مجرى واحد.
في جوهره، الاغتصاب ليس فعلًا جسديًا محددًا، ولا مسألة تقنية مرتبطة بالنوع، بل هو فعل نزع للإرادة، وسلب للحق في الرفض
، وكسر لحدود الجسد دون إذن، مثل من يُسلب
مفاتيح منزله ويُجبر على مشاهدة دخوله يُنهب.
ومن يُنكر اغتصاب الرجل لأنه رجل، لا يدافع عن الأخلاق، بل يدافع عن صورة ذهنية مريحة، حتى لو كان ثمنها إنكار ضحايا حقيقيين.
كما ان العدالة لا تكون كاملة إلا حين ترى الإنسان قبل جنسه، وتعترف بأن الصمت عن اغتصاب الرجال
ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة
مثل من يشاهد حريقًا ويحجب عينه عن الأدخنة الخانقة، معتقدًا أن الجريمة لن تصل إليه.









