أثقلَ الصمتُ صدري حتى غدا مملكةً للوجع، لا تُرى حدودها ،لكنها تمتدّ في داخلي بلا نهاية،كأنّ الكلمات التي كانت يوماً تتوهّج بالحياة، آثرت أن تُدفن حيّةً في أعماقي، تلك التي كنتُ أفرح بقولها لك، وكأنّ البوح إليك خلاص، وكأنك المرفأ الأخير لفيضٍ أنهكه الاحتباس ، كنتُ معك على هيئةٍ لا تشبهني ، لم أكن ثرثاراً، لكنني كنتُ أنهاراً من الحديث حين أمرّ بك، أفتح أبواب قلبي دون استئذان، وأترك مشاعري تنساب كما لو أنني أخشى أن يخذلني الوقت قبل أن أُفصح ، كنتَ المساحة التي لا يُخشى فيها الصدق،
ولا يُحسب فيها الإفراط ، خطيئة ، لكنّ الصدّ حين يتكرّر، لا يكتفي بأن يجرح، بل يُعيد تشكيل الروح على هيئة صمت ، يترك في القلب شقوقاً خفيّة، ويغتال الشغف اغتيالاً ناعماً، حتى يخفت كل شيء ، دون إعلان حداد ، وهكذا، انسحبتُ من ذاتي إليّ، كلمةً بعد كلمة، وشعوراً بعد شعور، حتى ألفتُ الكتمان، لا اختياراً بل نجاة ، كثرت أسئلتك ، وتضاعف مزاحك، لكنني لم أعد أملك رغبة الرد، ولا طاقة التظاهر بالضحك ، صوتي الذي كان يسبقني إليك، صار يتعثّر في صدري، وكأنّ قلبي أدرك متأخراً أن الحضور بلا احتواء ، شكلٌ آخر من الفقد ، ومن بين كلّ ما يثقلني ، ذلك التناقض الذي لا يُحتمل ، أن أسمع الحياة تفيض من حولك، ضحكاتٌ تتصاعد، وأصواتٌ تتداخل، وحديثٌ يُولد دون عناء، وأنا أقف على هامشك، أنتظر بقايا صوتٍ تدّعي أن التعب أطفأه ، تقول إنك مُنهك، وأن الكلمات تُرهقك، بينما العالم عندك لا يعرف الصمت إلا حين أصل ، أراك تمضي الساعات تقود، تجوب الطرقات كأن الوقت يلين لك، وكأنك تملك متّسعاً لكل شيء ، إلا لي ، ثم، ببساطةٍ موجعة، تخبرني أنك لا تستطيع أن تأخذني في جولة،لا تملك القدرة، ولا المزاج، ولا الرغبة ، وكأنني فائضُ وقتٍ لا ضرورة له، أو عبءٌ يُؤجَّل حتى يُنسى ، وهنا لا ينكسر شيءٌ عابر، بل ينهار في داخلي معنى كامل ، ليس لأنني أريد الكثير، بل لأن القليل الذي تمنّيته ، لم أكن فيه كافياً حتى يُمنح ، منذ البداية، قبلتُ بالقليل ارتضيتُ الفتات، وتغافلتُ عن النقص،بينما كنتُ أنا الكثير عليك، فيضاً من الصدق لم تجد له متّسعاً،وحضوراً لم تقابله إلا بالغياب ، وها أنا الآن عالِقٌ في منتصف المسافة، لا أملك شجاعة الرحيل ، ولا أجد سبباً للبقاء ، أسيرُ أنانيةٍ لم أخترها، كأنني عالقٌ في قبضة شعورٍ لا يرحم، يستنزفني قطرةً قطرة ، حتى لم يُبقِ مني ما يكفي للنجاة ، مقيّدٌ بإحساسٍ لا يُحييني ، بل يُبقيني حيّاً فقط لأتألم،كأنّ الحياة في داخلي صارت عقوبة، لا نعمة ، أحمل في صدري حكايةً لم تُكسر فحسب بل أُجهِضت وهي تنبض، قُتلت قبل أن ترى النور، وتركتني أحمل بقاياها كندبةٍ لا تلتئم ، وأقيم على أطلال صمتٍ ،لم يكن صمتاً يوماً، بل كان امتلاءً بك، فيضاً لا يتّسع له قلب، ولا تُحيط به الكلمات ، ثم انطفأ كل شيء ، وتحوّل ذلك الامتلاء إلى فراغٍ شرس، يبتلعني من الداخل، ويُعيدني في كل مرة إلى حقيقةٍ موجعة ، أنني، حين فقدتك لم أفقدك فقط، بل فقدتُ نفسي التي كانت تكون معك










