لا يهتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحديث في خطاباته وتصريحاته عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بدول الخليج جراء الحرب الدائرة مع إيران، وإنما يتعمد ـ بخبث شديد ـ أن يضع هذه الدول في سلة واحدة مع إسرائيل، ويقدم لها الشكر ـ ماعدا عمان ـ على ما وفرت لقواته من خدمات وتسهيلات (رائعة)، بينما ينتقد بشدة حلفاءه في (الناتو) لتقاعسهم وتخاذلهم عن تقديم المساعدة، ويهاجم دولا بالاسم كإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا لأنها رفضت مرور العتاد العسكري الأمريكي والطائرات المقاتلة عبر أجوائها، وهو لا يفعل ذلك عرضا أو اعتباطا، لكنه يهدف إلى تأجيج النار المشتعلة بين إيران ودول الخليج، وتشجيع هذه الدول على الانخراط في الحرب التي هي أصلا ليست طرفا فيها.
لقد دفعت دول الخليج الكثير من أموالها لأمريكا، ولترامب شخصيا، من أجل حماية أمنها واستقرارها، وقبلت بوجود قواعد وقوات أمريكية باهظة التكاليف على أرضها، ووقعت على اتفاقيات وقدمت تسهيلات وسكتت على إهانات، لكنها في ساعة الجد لم تحصل على الأمن، ولم يتوافر لها الاستقرار، بل كانت القواعد العسكرية وبالا عليها، وسببا مباشرا في استهدافها من جانب إيران، ولم تخرج طلقة منها دفاعا عن دول الخليج، وإنما تركت هذه الدول لتدافع عن نفسها بنفسها، بينما تم تسخير الدفاعات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط بالكامل لصد الهجمات الصاروخية الإيرانية الموجهة إلى إسرائيل.
ويتردد على ألسنة الساسة الأمريكيين أن ترامب يعد قائمة بالمطالب المالية والإستراتيجية التي سيقدمها لدول الخليج بعد انتهاء الحرب لتعويض بلاده عن خسائرها، خصوصا إذا فشل في تحقيق الأهداف (الاستعمارية) الفجة التي أعلنها بوقاحة، مثل الاستحواذ على النفط الإيراني واحتلال جزيرة خرج ومشاركة المرشد في السيطرة على مضيق هرمز وإعادة إيران إلى العصر الحجري.
ورغم ما جرته القواعد العسكرية على دول الخليج من مصائب وما سببته من أضرار، ورغم ما يقوم به ترامب ونتنياهو من ضربات وطعنات في الخلف لدفع هذه الدول وتحريضها علنا على المشاركة في الحرب، إلا أن قادة الخليج مازالوا مستمسكين بالعقل والحكمة، رافضين التورط في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
ومن عجب أن تتسع دائرة التحريض لتشمل مصر أيضا، إذ دأبت الأبواق المتصهينة على التعريض بمصر لأنها لم تسارع إلى الدفاع عن دول الخليج التي ساندتها في ساعة العسرة، مع أن الموقف المصري واضح لا يحتمل هذا العبث، فمصر ترفض الحرب التي هي حرب إسرائيل بالأساس، وتبذل جهودا للوساطة من أجل وقفها، وتدين الاعتداء على أشقائها في الخليج، لكنها لا يمكن أن تدخل حربا لم يدخلها هؤلاء الأشقاء.
وتطرح مصر منذ سنوات طوال بديلا عربيا لضمان أمن دول الخليج والأمن القومي العربي العام، وذلك بإعادة صياغة وتحديث وتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، لكي تسهم كل الدول العربية في الدفاع عن اِلأمن القومي العربي، واعتبار الاعتداء على أية دولة عربية اعتداء على الدول العربية جميعا، وإنشاء المؤسسات التي تيسر القيام بهذا الدور اقتصاديا وعسكريا، وتوزيع الأعباء على الدول والشعوب، كل حسب قدراته وإمكاناته.
لقد وقفت معظم الدول العربية إلى جانب الكويت حين اعتدى عليها صدام حسين في أغسطس 1990 حتى استردت أرضها وسيادتها، وكانت مصر وسوريا على رأس الدول المشاركة في حرب تحرير الكويت، لكن ـ للأسف ـ لم تستثمر تلك الوقفة التاريخية لتدعيم القوة العسكرية العربية وتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وجاءت الحرب الحالية لتؤكد تضارب المصالح والأهداف الإستراتيجية بين العرب والولايات المتحدة التي وقفت بالكامل في خندق إسرائيل، دون أدنى مراعاة لأمن واستقرار دول الخليج، والأضرار الجسيمة التي تلحق بمنشآتها الحيوية جراء الحرب (الصفرية) مع إيران.










