في زقاق ضيق من أزقة القدس المحتلة، حيث تتنفس الحجارة الأسى وتبكي النوافذ الموصدة على أطفال لا يعودون، جلس عجوز فلسطيني على كرسيه الخشبي المتهالك. كان يدخن سيجارة بعد أخرى، وعيناه مثبتتان على الأفق البعيد حيث تتقاطع طائرات إسرائيلية مع صواريخ إيرانية في مشهد أصبح مألوفاً كالصباح والمساء. إلى جواره، حفيده الصغير يوسف ذو الأعوام الخمسة، يلعب بسيارة مصنوعة من علبة زبادي فارغة وغطاء قنينة ماء. سأل يوسف جده بصوته البريء: “جدو، ليه الطيارات بتضربنا؟” تنهد العجوز وأطفأ سيجارته، ثم قال بصوت كأنه قادم من مغارة الزمان: “تعال يا بني، احكيلك حكاية ما حكيتها لأحد من قبل. حكاية قديمة قدم الحجارة اللي تحت رجليك.”
أشار العجوز بيده المرتجفة نحو الشرق، نحو بلاد فارس البعيدة، وقال: “في الزمن القديم، يا ولدي، كان الفرس واليهود جيراناً في بابل. كانوا يتاجرون معاً، ويتزاورون، ويتحالفون على من هو أضعف منهم. وكان العرب في جزيرتهم لا يعبأ بهم أحد، يعبدون الأوثان ويتحاربون على آبار الماء. فقال الفرس لليهود: تعالوا نضرب العرب قبل أن يكبروا. وقال اليهود للفرس: بل نضربهم معاً. وكانت بابل آنذاك ملتقى الأديان واللغات، لكنها كانت أيضاً ملتقى المؤامرات التي تُحاك تحت ضوء القمر. وفي أحد الأيام، دخل رجل يهودي إلى قصر الملك الفارسي وهمس في أذنه كلمات لا تزال تتردد في أروقة التاريخ حتى اليوم: ‘العرب كلب سيربى في حجرك ثم يعض يدك.’ فضحك الملك الفارسي، لكنه لم ينسَ الكلمات أبداً.”
واصل العجوز حكايته، بينما كانت الريح تعبث بشعره الأبيض كأنها تريد أن تبعثره في كل اتجاه: “ثم جاء الإسلام، يا بني. جاء الإسلام ليخرج العرب من جزيرتهم كالسيل الجارف. فتحوا فارس في سنوات قليلة، وقتلوا ملكها العظيم، وأذلوا جنودها المدججين بالسلاح. وهرب اليهود من بابل إلى كل مكان، يحملون معهم كراهية قديمة لا تموت، وانتقاماً ينتظر ساعة الظفر. قال الفرس لأنفسهم: هؤلاء العرب الذين كنا نستهين بهم، أصبحوا سادتنا. ورفض الفرس أن يرضوا بالإسلام الذي جاء به العرب، فابتكروا مذهباً جديداً، مذهباً يليق بعرقهم القديم، مذهب إمامة وخمينية وولاية فقيه، مذهب قالوا فيه: نحن أئمة المسلمين وليس العرب. وقال اليهود لأنفسهم: نحن أيضاً نريد دولة لنا، دولة تنتقم من العرب الذين أذلونا في خيبر وفلسطين. وانتظروا ألف سنة حتى جاءهم الوعد من الغرب.”
توقف العجوز ليشرب جرعة ماء من كأس بلاستيكي، ثم نظر إلى حفيده الذي كان يستمع بذهول، عيناه مفتوحتان كصحن القمر. قال يوسف: “جدو، أنا خفت.” ضحك العجوز ضحكة مريرة وقال: “لا تخف يا بني، لم تبدأ الحكاية بعد. في سنة 1948، أقام اليهود دولتهم على أرضنا بغطاء أمريكي ومال أوروبي. قالوا هذا وعد بلفور، قالوا هذا حقنا التوراتي. والفرس في إيران كانوا أول المهنئين، أرسل الشاه الإيراني برقيات التهنئة لإسرائيل، وفتحت السفارات، وعقدت الصفقات، وتعاون المخابرات. كان الفرس واليهود يضحكون على العرب من جديد، كأيام بابل القديمة. ولكن، يا بني، ثم ماذا؟ ثم قامت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979. جاء رجال دين فرس، لبسوا عمائم العرب وقالوا: نحن أعداء إسرائيل. لكن هل كان قلبهم تغير؟ هل كان دينهم الجديد غير كراهيتهم القديمة؟ لا والله، يا بني. لقد ألبسوا الكراهية ثوب الدين، وقالوا سنقاتل اليهود لأنهم أعداء الله. واليهود من جانبهم قالوا سنقاتل الفرس لأنهم أعداء الله. وصارت المنطقة ساحة حرب بين هرطقتين، بين دولة دينية يهودية تؤمن بأنها شعب الله المختار، ودولة دينية فارسية تؤمن بأنها حامية الإسلام وعزة المسلمين. والعرب؟ العرب في المنتصف كالشاة بين ذئبين.”
ارتجف العجوز فجأة، ليس من البرد بل من الغضب الذي يشتعل في قلبه كلما تذكر. أشار بسبابته نحو السماء حيث كان طائرة استطلاع إسرائيلية تمر بعيداً، وقال بصوت يرتجف: “أتدري يا يوسف ما هي إسرائيل؟ إسرائيل هي ذيل الكلب الأمريكي. الكلب الأمريكي يتحرك حيث شاء، والذيل الإسرائيلي يتحرك خلفه. لو أمر الأمريكي كلبه بالهجوم، هاجم. ولو أمر الكلب ذيله بالحركة، تحرك. وهذا الذيل يا بني يهدد حياة الشرق الأوسط كلها. ليس لأنه قوي، بل لأنه مجنون. الكلب المجنون يموت هو وكل من حوله. وإيران من جانبها، إيران ليست ميراث الفرس وحدها. إيران أرض فيها عرب أكثر من الفرس، ومسلمون سنة أكثر من الشيعة. لكن الفرس استولوا على السلطة، قالوا نحن الفرس الأقحاح، نحن أصحاب الحضارة، نحن من سنعلم العرب كيف يكون الإسلام. يا سبحان الله! الفرس الذين كانوا يعبدون النار بالأمس، أصبحوا مرجعية الإسلام اليوم؟ أي هرطقة هذه؟ وأي تدين هذا الذي يلبس ثوباً ليس له؟”
ابتعدت السحابة عن القمر فجأة، كأن السماء نفسها أرادت أن تنظر إلى العجوز الفلسطيني وحفيده في هذا الزقاق البائس. واصل العجوز حكايته بصوت أصبح أقوى كالرعد: “الآن، في أيامنا هذه، الفرس واليهود يتقاتلون في سمائنا وأرضنا. إيران تضرب قواعد إسرائيل من العراق وسوريا، وإسرائيل تضرب منشآت إيران النووية من أجواء الأردن والسعودية. وأين العرب؟ العرب يتفرجون، أو كما قال الشاعر الجاهلي: ‘نحن القوم لا نرضى ضيماً… فكيف نرضى أن نكون مطية لغيرنا؟’ كل يوم يموت أطفالنا، كل يوم تهدم بيوتنا، والفرس يقولون هذا دفاعاً عن الإسلام، واليهود يقولون هذا دفاعاً عن الأمن. والإسلام بريء من الفرس، والأمن بريء من اليهود.”
تنهد العجوز تنهيدة كادت تقتلع جذور الشجرة التي كان يجلس تحتها. ثم قال: “دعني أخبرك بما سيكون يا يوسف، لأن العجوز يرى ما لا يراه الشاب. في المستقبل القريب، سيشتد الصراع بين الفرس واليهود حتى يكاد يحرق الأرض ومن عليها. إيران ستطور سلاحاً يخيف العالم، وإسرائيل ستضرب ضربات لا تبقي ولا تذر. البحر الأحمر سيشهد معارك لم ير مثلها منذ أيام فرعون، والخليج العربي سيتحول إلى بحيرة من نار، وقناة السويس ستغلق، ومصر ستتألم، والسعودية ستتألم، وكل العرب سيتألمون. وفي خضم هذا الجنون، ستخرج إيران من الحرب منهكة، وستخرج إسرائيل من الحرب منهكة أيضاً، لكن العرب سيخرجون مقطعي الأوصال. لأن العرب سيكونون ساحة الحرب، لا أطرافها. سيكونون الحطب، لا النار. سيكونون الجثث، لا الجلادين.”
بكى يوسف فجأة، لا لأنه فهم كل شيء، بل لأنه رأى دمعة تتسلل من عين جده لأول مرة في حياته. مسح العجوز دمعة حفيده بيده الخشنة، ثم قال بصوت هادئ كالنسيم قبل العاصفة: “لا تبك يا بني. كل هذه الحكاية الطويلة، كل هذه الكراهية القديمة بين الفرس واليهود، كل هذه الهرطقة الدينية من هنا ومن هناك، كل هذا الذيل الإسرائيلي الذي يحركه الكلب الأمريكي، كل هذا سينتهي. نعم سينتهي. ليس لأن الفرس سيصبحون عرباً، وليس لأن اليهود سيصبحون مسلمين، بل لأن العرب سيفيقون يوماً. سيفيقون ويعرفون أن عدوتهم الحقيقية ليست في طهران أو تل أبيب فقط، بل في كل من يريد أرضهم وماءهم وكرامتهم. سيفيقون ويعرفون أن القوة ليست في الصواريخ ولا في الطائرات، بل في أن يكونوا يدا واحدة على قلب رجل واحد. سيفيقون ويعرفون أن الفرس يبقون فرساً واليهود يبقون يهوداً، والعرب يبقون عرباً، وأن أرض العرب ليست ميداناً لصراعات العرقيات القديمة.”
قبل أن يكمل العجوز حكايته، انفجر صوت في الأفق البعيد. قنبلة إسرائيلية سقطت على بعد كيلومترات، أو صاروخ إيراني اعتراضي، أو ربما كان رعداً من السماء. قفز يوسف خائفاً إلى حضن جده الذي ضمه بقوة كأنه يريد أن يحميه من كل شرور الدنيا. نظر العجوز إلى السماء المتسخة بدخان البارود، وقال وكأنه يتلو دعاءً أو نبوءة: “اسمع يا يوسف واعقل ما أقول. إيران اليوم ليست ميراث الفرس، وإسرائيل ليست ميراث اليهود الحقيقيين الذين عاشوا في سلام مع العرب ألف سنة. هذه دول هرطقات، دول قامت على الكذب والتزوير، دولة إيرانية تدعي الإسلام وهي تذبح المسلمين في اليمن وسوريا، ودولة إسرائيلية تدعي التوراة وهي تنتهك كل ما في التوراة من قيم. واحفظ هذه الكلمات يا بني: لا تثق بفارسي ولا يهودي، ثق بعربيك فقط، ثق بمصري وسعودي وأردني وعراقي. هم وحدهم من سيحمونك، إذا أرادوا. وإذا لم يريدوا، فأنت وحدك. وحين تكون وحدك، كن كالصخر: لا تلين للريح، ولا تنكسر للعاصفة.”
نام يوسف في حضن جده، ويده الصغيرة لا تزال ممسكة بسيارته المصنوعة من علبة زبادي وغطاء قنينة ماء. ظل العجوز ساهراً، يدخن سيجارة بعد أخرى، وينظر إلى النجوم التي تخفي وراءها طائرات وصواريخ، ويتمتم بكلمات لا يسمعها إلا الله: “اللهم أنقذ العرب من الفرس واليهود، وأنقذ الفرس واليهود من أنفسهم، وأنقذ الشرق الأوسط من جنون لا ينتهي.” وفي الصباح، حين استيقظت الشمس على القدس المحتلة كما تستيقظ كل صباح على جرح لا يندمل، وجد الجيران العجوز ما زال جالساً على كرسيه، وحفيده نائماً في حجره، وسمعوه يغني بصوت خافت يكاد يختفي في الريح:
“عرب يا عرب، وحدوا الصفوف… فالكلب الأمريكي لا يخاف من العواء… والفارس المجوسي لا يملك السماء… والأرض أرضكم، فكونوا كالسيوف… لا تنثني ولا تخاف.”










