الفرق – يابُنيّ – أننا ولدنا كبارا ، مسؤولين ، نحمل فوق أكتافنا طموحات أمة ، وأحلام وطن !!.
فلا طفولتنا كانت لعباً ولهواً وسرمحة ، بل عمل شاق دؤوب في الحقول من طلعة الشمس حتي غروبها ، حتي أن الدولة كانت تؤجل دخول المدارس حتي ننتهي من جنيّ القطن ، وكانت منتهي سعادتنا تكمن في قمع أو قرطاس من الجيلاتي المثلج كل أسبوع يوم أن نقبض أجرتنا ، نظل نلحس فيه ساعات ، مخافة أن ينفد ، مغمضي الأعين مستمتعين به في لهيب الصيف !!.
وكانت سنوات شبابنا جد وجهد جهيد ، فابن الفلاح لايفارق أباه بل هو ساعده الأيمن ، ملازم له في بيته وحقله ، وكذلك في كل مهنة أو حرفة !!.
ولدنا كبارا – يابُنيّ – لا نطلب ماهو فوق احتمال أهلنا ، بل نرضي بالقليل ونصنع منه الكثير ، وعندما ولجنا معترك الحياة العملية تسابقنا في رد الجميل لبلدنا وأهلنا ، فساهم كل منا بما تعلم في نهضة بلده ، وحاربنا عدونا وكسرنا عنفوانه ، ومرغنا أنفه في التراب !!.
وتنافسنا في خدمة أهلنا ، فمِنا مَن زوج إخوته البنات ، وتولي الانفاق علي تعليم باقي أشقائه ، ومِنا مَن تكفل بحج والديه ، بل وفاض خيرنا علي باقي الأهل والأحباب ، وساعدنا في ذلك نوايانا الطيبة ، وعزيمتنا الفولاذية ، ونظام حكم عادل ، ويد الله ترعانا وتؤازرنا وتشد علي أيادينا !!.
ولدنا كبارا – يابُنيّ – لم نعرف الساحل ، ولا الكافيهات ، ولا المخدرات ، بل غاية طموحاتنا جلسة علي شاطئ النيل ساعة العصاري ، وكان الجلوس علي المقهي عاراً يلازم صاحبه ، وكأنه جمل أجرب مَطليٌّ بالقار ، أما التدخين فهو انحراف وشذوذ يستوجب العقاب الرادع !!.
ولدنا كبارا – يابُنيّ – ناضجين ، فلم يشعر أهلنا بتعليمنا ، ولا بزواجنا ، ولا بمسيرة حياتنا إلا مدعوين فخورين ، فكنا موضع تشريف واعتزاز ، وقرة عين لهم ، ولبلدنا التي آوتنا وعلمتنا ، وضمتنا تحت جناحيها ، وسفينتنا التي أبحرت بنا إلي شاطئ الأمان ، ومرفأ السعادة وتحقيق الآمال !!.
هذا هو الفرق – يابُنيّ – أننا ولدنا كبارا مسؤولين ، بينما تظلون أنتم أطفالا حتي بلوغ الأربعين ، نحملكم فوق ظهورنا ، ولا حول ولا قوة الا بالله !!.










