ليست سيناء مجرد رقعة جغرافية على خريطة الوطن، بل هي صفحة مضيئة في كتاب التاريخ، وسِفرٌ مفتوحٌ تتعانق فيه القداسة مع البطولة، وتمتزج فيه دموع الأنبياء بدماء الشهداء، فمنذ فجر الرسالات، حملت هذه الأرض المباركة أسرار الوحي وتجليات السماء، فكانت مسرحًا لنداء الله لموسى عليه السلام عند الطور، ومهبطًا للسكينة في الوادي المقدس طُوى؛ حيث خُلع النعلان تعظيمًا للمكان، وارتفعت الأرواح خشوعًا لجلال الموقف.
وعبر العصور، لم تغب سيناء عن مسيرة الأنبياء والرسل، فكانت معبرًا مباركًا لإبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف – عليهم السلام، ثم تحولت في التاريخ الإسلامي إلى بوابة الفتح، حين عبرها القائد عمرو بن العاص فاتحًا مصر، ومنها انطلقت جيوش صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس، في مشهد يعكس موقعها الاستراتيجي والديني الفريد.
ولم تكن سيناء يومًا أرضًا هامشية، بل ظلت على الدوام مطمعًا للغزاة، نظرًا لما تمثله من عمق استراتيجي لمصر وبوابة شرقية لحمايتها.
ففي حرب 1967، حاول الاحتلال أن ينتزعها من حضن الوطن، لكن روح المصري لم تنكسر، بل ظلت جذوة الكرامة مشتعلة حتى جاء حرب أكتوبر 1973، حيث سطر المصريون واحدة من أعظم ملاحم العزة، واستعادوا الأرض والكرامة، ثم تُوِّج ذلك بالجهود السياسية التي أعادت آخر شبر من ترابها.
واليوم تواصل سيناء أداء دورها الحضاري، لا كساحة حرب فحسب، بل كمنبر للسلام العالمي، حيث احتضنت مدينة شرم الشيخ مؤتمرات دولية كبرى، من أبرزها مؤتمر المناخ العالمي 2022، مؤكدة أن هذه الأرض التي عرفت الصراع قادرة أيضًا على صناعة السلام، وقد تجلى ذلك أيضا في استضافتها الاجتماع الدولي لتوقيع وثيقة وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر الماضي.
إن سيناء ليست مجرد أرض تُستعاد، بل هي أمانة تُصان، وثروة تُستثمر، ومستقبل يُبنى. فهي أرض الفيروز والموارد الواعدة، ومفتاح التنمية في شرق مصر؛ ومن ثم فإن الحفاظ عليها وتنميتها واجب وطني لا يقل شأنًا عن الدفاع عنها.
وهكذا تبقى سيناء رمزًا خالدًا؛ أرضًا باركها الله، وافتداها المصريون، وستظل – ما بقيت الحياة – عنوانًا للصمود، وشاهدًا على أن هذا الوطن لا يُهزم، وأن أرضه لا تُفرِّط في أبنائها، ولا يفرِّط أبناؤه فيها..
فلنعم الأرض أرضه، ولنعم الأهل أهله.. دامت سيناء عزيزة فتية ، ودامت مصرنا حرة أبية.










