لم تكن النهاية حدثًا واضحًا كما كنتُ أظن دائمًا، لم تأتِ على شكل بابٍ يُغلق أو كلمةٍ تُقال بصوتٍ مرتفع، بل جاءت على هيئة صمتٍ طويل، صمتٍ يتسلّل إلى التفاصيل الصغيرة حتى يُحوّل الحياة إلى نسخةٍ باهتة من نفسها. في البداية، قلتُ لنفسي: انتهى. نطقتُها بثقةٍ مصطنعة، كمن يوقع على قرارٍ لا يريد فهمه بالكامل، لكن داخلي كان يعرف أنني أُخفي شيئًا أكبر من مجرد ذكرى.
كنتُ أشيّعك داخلي كل ليلة دون طقوس واضحة، فقط أُعيد ترتيب حضورك في رأسي، كأنني أتأكد أنك ما زلتَ هناك، ثم في الصباح أستيقظ وأقنع نفسي أنني تجاوزت. كنتُ بارعة في هذا التناقض: أبتسم وأنا أحملك، وأتنفّس وأنا أدفنك في مكانٍ لا يموت فيه شيء. ومع الوقت، صرتُ أُتقن الكذب على نفسي، لا لأهرب منك، بل لأتمكّن من البقاء دون أن أنفجر.
كنتُ أسمّي ضعفي حكمة، وترددي نضجًا، وكأن الكلمات قادرة على إعادة تشكيل الحقيقة. أُعيد ترتيب وجعي في عباراتٍ مرتبة كي لا يبدو فوضى، لكن الفوضى كانت تعرف طريقها إليّ دائمًا، تتسلل من بين الكلمات، من بين التفسيرات، من بين محاولاتي المستمرة لإقناع نفسي بأنني بخير. لم أكن بخير، لكنني كنتُ ماهرة في الظهور كذلك.
أخفيك تحت ألف تفسير، أُحلّل وجودك، أُقلّبك في ذهني كما يُقلّب المرء شيئًا لا يريد الاعتراف بقيمته. أقول: ربما كان وهمًا، ربما كان عادة، ربما كان وقتًا لا أكثر. لكن كل “ربما” كانت تفتح بابًا جديدًا لك في داخلي، كأنك لا تحتاج إذنًا لتبقى، بل تحتاج فقط أن أفكّر فيك.
لم أكن أمشي في دروبك، كنتُ أدور حولك. وهذه هي الحقيقة التي لم أستطع قولها لأحد: أنني لم أغادرك، بل غيرتُ شكل وجودك في حياتي. أصبحتُ كجرحٍ يخاف الشفاء، ليس لأنه يحب الألم، بل لأنه يخاف من الفراغ الذي سيتركه غياب الألم. كنتُ أعتاد وجعي معك، أكثر مما أعتاد فكرة غيابك.
كل مرةٍ كنتُ أقول فيها إنني انتهيت، كنتُ أعود إليك بصيغةٍ أخرى: ذكرى، حلمًا، صوتًا داخليًا، أو شعورًا بلا اسم. حتى أدركتُ أن النهاية التي كنتُ أبحث عنها لم تكن فيك، بل في قدرتي على تصديق أنني أستطيع العيش دون أن أستعيدك في داخلي كل ليلة.
لكنني لم أتعلم ذلك بعد.
ما زلتُ أقول: انتهى…
وأنا أوّلُ الكاذبين.










