في ذلك السبت كنتُ قد حضرتُ جلسةَ مناقشةِ روايةٍ في مبنى اتحاد الأدباء، وبعد انتهاء الجلسة نظرتُ إلى ساعة يدي وهمستُ لنفسي:
لديَّ بعض الوقت لأتجول في أروقة مكتبة (الفريد سمعان) في المبنى نفسه، فسعادتي هي التجوال أو المكوث في المكتبات، كطفلةٍ تتذوق طعم الفرح بزيارة مدينة الملاهي في يوم عيد.
في المكتبة رحتُ أُمشّط بناظري الرفوف الخشبية وهي تغصّ بشتى أصناف الكتب، يضوع منها عطر الورق الذي ينعش روحي، فتسري في دمي دفعات الدوبامين اللذيذة، لتحيلني إلى فراشة ترفرف بجناحيها وتقفز من زهرة إلى أخرى.
توقفتُ قرب رفٍّ استراحت على متنه، باسترخاءٍ مُغرٍ، رواياتٌ لكتّاب عراقيين، فقررت أن أستعير عددًا منها. عندها وقع بصري على ذلك الغلاف الأحمر الذي تتوسطه صورة الكاتبة العراقية فوز حمزة، ويعتلي صورتها عنوان الكتاب: (رياح خائنة)، ثم في الأسفل كلمة: (رواية).
كنتُ أعرف عن الكاتبة فوز حمزة بأنها قاصة محترفة، وقد قرأتُ لها بالفعل عديدًا من القصص، ويبدو من تصنيف الكتاب بأنه رواية؛ إذن لا شك أنها روايتها الأولى.
قلتُ لنفسي: هيا تهاني، لنستعر هذه الرواية ونقرأ. ترى ما الذي تخبئه لنا فوز بين الدفتين الحمراوين هذه المرة؟ وهل تمتلك ذلك النفس الطويل الذي تتطلبه كتابة الرواية، وتلك الخيوط التي ننثرها ثم نعود لنسحبها واحدًا تلو الآخر، على كثرتها، فتجتمع في حزمة متماسكة، أو ما نسميه الحبكة الرئيسية، وربما ترافقها حبكات ثانية وثالثة؟!
ولأنني خُلقتُ إنسانةً حسية لا حدسية، رغم الجانب العاطفي الذي يشكل المكوّن الأكبر من تركيبتي النفسية، إلا أنني أستعمل حواسي في التعرّف والحكم على الأشياء والأشخاص والمواقف، لذا لا أحكم على شخص لا أعرفه، ولا أعطي رأيًا في كتاب لم أقرأه.
والشخص الحسي هو من يستعمل حواسه الخمس؛ يرى، يسمع، يلمس، يشم، يتذوق، ثم يستخدم كل تلك المعلومات التي نُقلت إلى دماغه كإشارات عصبية، فتبدأ قشرته الجبهية في فهم وتعريف وتصنيف ما استقبلته، مستعينةً بمخزونها من المعلومات في الذاكرة. وهنا يتناسب وعيك وفهمك طرديًا مع غزارة ما تختزنه من معلومات، فضلًا عن الفوارق الفردية بين البشر في سرعة التقاط الرسائل المبطنة أو الرمزية، وحتى الواضحة منها.
جلستُ بعد الظهر في مقهى على شاطئ دجلة. كان النهر هادئًا وديعًا، يتلألأ على صفحته بياضٌ منعكس لشلال ضياء شمس نيسان الفتية. وبين يدي رواية فوز (رياح خائنة)، أنقل بصري بتناوب غريب بين سطور الرواية والنوارس البيضاء وهي تحلق عاليًا، فاردةً جناحيها تحت سماء زرقاء صافية، ترصع خدّها بعض الغيمات القطنية التي تماهى بياضها مع نوارس دجلة ولون فنجان قهوتي الأبيض المستريح على الطاولة بقربي.
أرتشف قهوتي وأقرأ، سطرًا تلو سطر، وصفحةً تسحبني بشوق إلى الصفحات التي تليها. أقرأ ثم أرفع بصري نحو مياه النهر، وأتأمل طويلًا تلك الشخصيات العديدة، على تعقيد تركيبتها النفسية، والتي خطّها قلم فوز ورسمها بإتقان وحرفية من غاص طويلًا في عمق النفس البشرية، وفهم كيف يمكن أن تتشكل اختياراتنا وردود أفعالنا، وحتى مشاعرنا، بناءً على الكيفية التي عوملنا بها في طفولتنا.
كانت أحداث الرواية تشدني بقوة ولا تريد أن تفلتني. لم أنتبه إلا بعد ساعات قضيتها في القراءة، حتى توارت شمس ذلك السبت الربيعي خلف الأفق البعيد، تاركةً خلفها بعض اللطخ القرمزية المتوهجة لغروبٍ هَمسَ في أذن النهار سرًّا لم أسمعه.
حملتُ حقيبتي ورواية فوز حمزة ونهضتُ أنوي الرحيل، بعد أن توارت نوارس دجلة في مخادعها، ونشر الليل عباءته في الأرجاء. لم تكن أضواء المقهى الشاحبة، مع أغنية أم كلثوم المنبعثة من مكبر الصوت وهي تشدو:
(صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن، نستني بيك آلامي، ونسيت معاك الشجن)،
أجواءً تساعدني على القراءة.
خرجتُ وأنا أوشوش لصفحات الرواية المتبقية:
“انتظريني قليلًا… سنصل إلى البيت، ونندسّ في الفراش، ونكمل معًا هذا السفر اللذيذ.”
ثم أغلقتُ الرواية على وعدٍ مؤجل، بينما كانت شخصيات فوز ما تزال تمشي معي في الطريق، كأنها لم تكتفِ بعد من احتلال رأسي وقلبي.
انتظروني في الجزء المقبل، لأحدثكم عن روايةٍ لم تكتفِ بأن تُقرأ، بل راحت تقرأ قارئها أيضًا، وتفتّش بأصابعها الباردة في أكثر زواياه خفاءً.










