في زمنٍ ضاقت فيه الأرضُ على سعتها، وصارت الأحلام سلعة نادرة، وقفَ الشبابُ على شاطئِ اليأسِ يحدّقونَ في الأفقِ البعيد، كأنَّ خلفَ الموجِ فردوساً موعوداً يمحو مرارةَ الواقع. فانطلقتِ القواربُ المثقوبةُ، قوارب النجاة الوهمية، التى تبتلع الأجساد قبل أن تبتلع الأوجاع، تحملُ على متنها قلوباً متعبةً وأحلاماً مرتجفة، لا تدري إلى شاطئٍ جديدٍ تبحر، أم إلى قاعٍ لا قيامَ منه.
ما كانت الهجرةُ غيرُ الشرعيةِ سفراً سعيدا، بل انتحاراً مؤجّلاً على مهل. فهى هروبٌ من ضيقِ العيشِ وجحيم البطالة إلى جحيم أشد قسوة فى عرض البحر، ومن مرارةِ الحياة إلى مرارةِ الموتِ البارد. قد يركبُ الشابُّ قارباً فيظنُّهُ نجاةً، وما يدري أنَّهُ يركبُ تابوتاً متحركا على الماء، لا يعلم أين سيلقى به الموج : إلى شاطىء مجهول، أم إلى قاع لا يعرفه إلا الله، تابوت لا يعرفُ قبطانُهُ إلا لغةَ الطمعِ والغدر. ركبوه لأنَّ الأرضَ بما رحبت ضاقتْ بأقدامهم، ولأنَّ الشهاداتِ صارتْ ورقاً لا يُطعمُ خبزاً، ولأنَّ أبوابَ الأملِ أُغلقتْ في وجوههم فلم يجدوا إلا بابَ البحرِ مفتوحاً على مصراعيه. صدّقوا صورةً زائفةً رسمها الإعلامُ عن الغربِ بأنه فردوسا لا ينضب خيره، فباعوا أعمارهم بثمنٍ بخسٍ، واشتروا سراباً حسبوهُ ماءً. وكان البحرُ شاهداً لا يرحم. البحرُ الذي حملَ أجدادنا فاتحينَ، صارَ اليومَ مقبرةً تبتلعُ الأجسادَ الفتيّةَ واحدةً تلو الأخرى.
وكم هو مؤلمٌ ذلك المشهدُ حينَ يعودُ الشبابُ شهداءَ على متنِ القواربِ نفسِها التي حملتهم أحياءً!
تعودُ القواربُ مثقوبةَ الجنبِ، خاويةً من الأملِ، مثقلةً بالجثِث الباردة. وجوهٌ شاحبةٌ قد أطفأ الموتُ بريقَها، وأيدٍ متشبّثةٌ بحافةِ الخشبِ كأنَّها ما زالتْ تقاومُ الغرق. عيونٌ مفتوحةٌ تحدّقُ في السماءِ كأنَّها تسألُها: “لماذا خذلنا البرُّ والبحرُ معاً؟”.
يُخرجونهم واحداً واحداً، أجساداً مبلّلةً بماءِ الملحِ ودموعِ الأمهات. شبابٌ كانوا بالأمسِ يضحكونَ ويحلمونَ، صاروا اليومَ ساكنينَ لا حراكَ فيهم، إلا حراكَ الوجعِ في قلوبِ من ينتظرونهم. كأنَّ البحرَ أعادَهم أمانةً إلى أرضِهم، لا ليبنوا فيها، بل ليُدفنوا في ترابها الذي هربوا منه. فأيُّ عودةٍ هذه؟ وأيُّ وطنٍ يستقبلُ أبناءهُ جثثاً على أكفانٍ من ماء؟
لكنَّ أوجعَ المشاهدِ على الإطلاقِ دموعُ الأمهاتِ. دموعٌ لا تجري على الخدِّ فحسب، بل تنحدرُ من القلبِ فتشقُّهُ شقّاً. مطر حارق لا ينبت زرعا، بل يذيب الصخر ويذبل العمر، نار باردة تحرق الفؤاد وسيف صامت يقطع النفس بلا دماء، أمٌّ تجلسُ أمامَ صورةِ ولدها تُكلّمُهُ كما لو كانَ يسمعُها، تقولُ له بصوتٍ مبحوح: “عدْ إليَّ ولو جثةً هامدة، فحضني أوسعُ من قبرِ البحر”. كانت تنتظرُ رسالةً تقولُ “وصلتُ”، فجاءها نعيٌ يقولُ “فُقدَ في البحر”. ضحكتْ يومَ ودّعتهُ ظناً منها أنَّهُ ذاهبٌ إلى الحياة، لكن البحر صار فما جائعا لا يشبع من التهام الأجساد الفتية، والأمواج ألسنة لهب تلتهم الأحلام قبل أن تولد.
الهجرةُ غيرُ الشرعيةِ لا تقتلُ الشابَّ وحده، بل تقتلُ بيتاً بأكملِهِ. تُطفئُ فرحةَ أمٍّ، وتُسقطُ ظهرَ أبٍ، وتُيتّمُ أطفالاً لم يعرفوا معنى الأبوة. ويخسرُ الوطنُ أغلى ما يملك: سواعدَ الشبابِ، وعقولَهم، وطموحَهم.
وإن كانَ الداءُ عظيماً، فالدواءُ ممكنٌ إذا صدقَ العزمُ. فلا يُجدي حرسُ الشواطئِ وحدَهُ ما دامتْ أسبابُ الهجرةِ قائمةً في الداخل. على الدولةِ أن تفتحَ للشبابِ أبوابَ العملِ الكريمِ، وأن تُطلقَ مشروعاتٍ صغيرةً ومتوسطةً تستوعبُ طاقتهم وتحفظُ كرامتهم. وعلى الإعلامِ أن يكشفَ الوجهَ الحقيَّقى للهجرةِ غيرِ الشرعية، لا أن يزين الوهم ويبيعه للباحثين عن النجاة، يجب أن يقدم إعلام يظهر الحقيقة العارية عن معاناة المهاجرين غير الشرعيين فى الغربة والسجون والمقابر المجهولة، فالممنوع مرغوب ما دام مجهولا. وعلى التعليمِ أن يتحوّلَ من شهادةٍ معلّقةٍ على الجدارِ إلى مهارةٍ تُطعمُ صاحبها وتُكرمُهُ وتؤهل الشاب للعمل فور تخرجه، حتى لا يشعر أن سنوات دراسته هباء منثور. فالشباب كالنبات الغض إن سقى بماء العدل والأمل، أثمر وبنى. وإن ترك للعطش واليأس، ذبل ومات قبل أوانه.
كما يجب على الأسرة أن تكون حصن الأمل لا معول الضغط، وعلى المجتمع المدنى أن ينشىء مراكز إرشاد نفسى ومهنى للشباب المحبط، ليجد من يسمعه قبل أن يسمعه المهربون. كما يجب على المجتمع أن يكونَ حضناً لا سجناً، أن يُنصتَ للشبابِ قبلَ أن ينصتوا لتجارِ البشر، وأن يزرعَ فيهم قيمةَ الانتماءِ وحبَّ البناء. فالوطنُ لا يُتركُ وقتَ الضيقِ، بل يُعالجُ ويُنهضُ بسواعدِ أبنائه.
أيُّها الشابُّ، لا تجعلْ يأسَكَ قارباً، ولا تجعلْ بحرَ الموتِ طريقَكَ. فالوطنُ وإن ضاقَ اليومَ، فغداً يتّسعُ بكَ وبأمثالِكَ. لا تُطفئْ شمعتَكَ بيدِكَ بحثاً عن نورٍ في ظلامٍ لا تعرفُهُ. فالأوطانُ لا تُبنى بالهروبِ، بل بالثباتِ والمقاومةِ والعمل. ولنمسكْ بأيدي شبابِنا قبلَ أن يلقيَ بهم البحرُ إلى هلاكٍ لا رجعةَ منهُ، عملاً بقولِ اللهِ تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.










