لا يمكن الحديث عن نهضة ثقافية حقيقية دون مواجهة الصراحة المؤلمة ، إن أكبر عائق أمام تطور الثقافة والفنون داخل مصر ليس غياب مشاريع ثقافية لدي المثقفين أو مشاريع فنية لدي الفنانيين ولا هو غياب الجمهور ، بل وجود ” حرس قديم ” داخل الهياكل الإدارية يري فى المبدع الحقيقي تهديداً مباشراً لوجوده .
إن نجاح أى مؤسسة فنية بات مرهونا بمدي قدرتها على التخلص من ” القيادات المريضة ” وتطهير أروقتها من الفساد المالي والإداري الذي يستهدف الشرفاء قبل الناجحين .
من واقع خبرتي التي إكتسبتها خلال عملي داخل صرح فني كبير تخطي ال ٣٦ عاماً وعاصرت العديد من القيادات الفنية التي توالت على كرسي القيادة لذلك الصرح . فقد تأكدت أن من أخطر الظواهر التى تقضي على المؤسسات الفنية هي وجود قيادات فنية تعاني من ” عقدة النقص ” .
تلك القيادات التي وصلت إلي مناصبها غالباً عبر الولاءات لا الكفاءات ، يدركون فى قرارة أنفسهم مدي ضألة قامتهم الفنية أمام المبدعين الحقيقين ، لذا يمارسون سياسة ” الإقصاء الممنهج ” . لأن ظهور المبدع الحقيقي يكشف جهلهم الإداري وضعف وهشاشة رؤيتهم الفنية لهذا الصرح .
فى هذة البيئة المريضة ، يصبح ” الذكاء ” تهمة و ” الإبداع ” تمرد و ” التطوير ” إهدار للمال العام !!! ، ويتم تقريب ” أنصاف المواهب ” الذين لا يشكلون خطراً على كرسي القيادة .
لا يتوقف الأمر عند الغيرة الفنية فحسب ، بل يمتد إلى شبكات مصالح الهيكل الإداري والمالي مع تلك القيادة الفنية الضعيفة والمريضة ، فيتم التحالف ( تحالف الفساد ضد الشرفاء ) .
إن الفاسد داخل المؤسسة الثقافية لا يخشى فقط من يكشف سرقاته ، بل يخشى ” الناجح ” ، لأن الناجح يفرض معايير منضبطة والناجح الشريف يضع الجميع تحت طائلة المسؤولية والشفافية . لذلك نجد تحالفات شرسة تسعي بكل قوة للتخلص من أى عنصر شريف سواء كان إدارياً مخلصاً يسعي إلي التطوير ، أو مالياً أميناً يعمل علي توجيه الإنفاق المالي نحو مساراته الصحيحة ، أو فنيا يجتهد للنهوض بالعملية الإبداعية والإهتمام بالمواهب الحقيقية وتقديم فن يحترم عقل الجمهور ، يتم التخلص منهم عبر
- أغتيال المعنوية : من خلال التهميش المتعمد وتشويه السمعة .
- البيروقراطية المعطلة: من خلال وضع العراقيل الإدارية أمام أى مشروع لإفشاله .
- الحروب الباردة : من خلال تطفيش الكفاءات لإجبارها على الإستقالة أو الإبتعاد ليخلو الجو ” للمنتفعين ” .
- سياسة الترهيب : من خلال التهديد المستتر أو الغير مباشر أو المباشر إن لزم الأمر لباقي العناصر التابعة سواء كانت عناصر إدارية أو فنية.
ولذا لابد من إستئصال القيادات المريضة التي تعيق نمو الأجيال الجديدة ، وتخنق المواهب الواعدة ، خوفاً على مناصبها . وحماية الشرفاء من خلال وضع ضوابط حقيقية مفعلة وملزمة تضمن حماية الإدارين والفنانين الناجحين من هيمنة وتوغل الفاسدين .
وأخيراً : لابد أن يكون تقييم القياداة مبنياً على حجم الإنجاز الفني الحقيقي وتطوير المؤسسة ، لا على مدي قدرتهم على تجميل التقارير الورقية وتجميل الصورة الإعلامية .










