في مصر لا حديث إلا عن جدل نظام الطيبات و ظاهرة الكلاب الضالة ، لكن في أمريكا يبدو المشهد مختلفًا تمامًا ، فمع الأسبوع الأول من الشهر الحالي ، عادت قضية الأطباق الطائرة إلى صدارة الأخبار العالمية ، بعد أن كشفت وزارة الحرب الأمريكية رسميًا — وبشكل مفاجئ — عن دفعات جديدة من الوثائق والتقارير السرية المتعلقة برصد الظواهر الجوية غير المُفسَّرة و الأجسام الطائرة المجهولة والحياة خارج الأرض ، في خطوة اعتبرها مراقبون استمرارًا لمسار جديد بدأ منذ تقارير البنتاجون عام 2021 ، ثم جلسات الكونغرس المثيرة للجدل عام 2023 حول نفس الظاهرة.
أثار الإعلان موجة واسعة من التساؤلات حول لغز سكان الكواكب الأخرى ، وحدود ما تخفيه المؤسسات العسكرية والاستخباراتية عن الرأي العام منذ عقود ، ليحتل الموضوع واجهة «الميديا» العالمية من جديد ، وتشتعل الأجواء وتعود النظريات القديمة إلى دائرة الضوء ، تلك النظريات التي سنحاول استعراض أبرزها في هذا المنشور.
هناك فريق يقول إن قصة الأجسام الطائرة القادمة من الفضاء ليست سوى سوء فهم لظواهر طبيعية وفيزيائية ، مع أوهام صنعها خيال البشر ، أشهر هؤلاء عالم الفلك الأمريكي كارل ساجان في كتاب ” عالم تسكنه الأرواح الشريرة ” ، كارل يرى أن الموضوع برمته يقع تحت قائمة عنوانها العلوم الزائفة ، وأول من كتب تلك النظرية عالم الفلك الأمريكي دونالد مينزل في كتاب ” فحص علمي لأسطورة كبرى من عصر الفضاء ” ، وملخص كلام دونالد مينزل أن الأطباق الطائرة والكائنات القادمة من الفضاء الخارجي محض هراء يسكن عقول البشر.
على نفس المنوال ، توجد فئة لها ثقلها تؤكد أن موضوع الأطباق الطائرة هو بمثابة تمهيد مبدئي لصناعة تهديد فضائي وهمي يُستخدم لإعادة هندسة وعي الشعوب ، وتبرير أنماط جديدة من السيطرة المطلقة ، عبر تسويق فكرة تشكيل جيش عالمي موحد لمواجهة غزاة الفضاء ، وللتوثيق فإن هذا الأسلوب يدخل بالفعل ضمن آليات حروب الجيل السادس ، وتحدث عنه الجنرال الروسي فلاديمير سليبتشينكو في كتابه فائق الأهمية ” حروب الجيل السادس.. معارك بلا اتصال ” ، ويُعتبر الكتاب شرحًا مفصلًا لقصة حروب الجيل السادس ، ويُعد من أبرز الكتب التي تناولت تفاصيل الحروب المستقبلية غير التقليدية.
ثمة نظرية أخرى تجزم إن ما يحدث ليس خدعة ، بل عملية طمس ممنهجة وإخفاء متعمد لزيارات حقيقية قامت بها كائنات عاقلة جاءت إلى الأرض منذ قرون ، سكان الكواكب الأخرى هبطوا من السماء منذ آلاف الأعوام ، وبعض الحضارات القديمة تلقّت بالفعل معارف متقدمة من هؤلاء الزوار الفضائيين ، وأجهزة الاستخبارات الكبرى تخشى إعلان الحقيقة كاملة لما قد يسببه ذلك من صدمة حضارية ودينية وعلمية ، وفي مقدمة أصحاب هذا الرأي المؤرخ الأمريكي ريتشارد دولان في كتاب ” الأطباق الطائرة ودولة الأمن القومي ” ، ريتشارد رصد عشرات المواقف التي لم يُعلن تفسيرها ، وعلى دربه سارت الصحفية ليسلي كين في كتاب “الأجسام الطائرة المجهولة.. جنرالات يروون شهاداتهم على الملأ “، كتاب ليسلي صنع ضجة هائلة وقت صدوره.
في نفس الرؤية نجد الباحث ليو سترينغفيلد أول من صنع أسطورة الرماديين في الثقافة الشعبية الأمريكية عبر كتابه ” الوضع خطر ” ، دشن ليو حملة طالبت رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية بالكشف عن كل أسرار “مشروع الكتاب الأزرق ” ، وهو مشروع قام به سلاح الطيران الأمريكي لدراسة ظاهرة تلك الأجسام الطائرة المجهولة بين عامي 1952 و1969 تحت إشراف المخابرات المركزية الأمريكية ، ووعد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بالكشف عن كل تلك الأسرار في حال نجاحه في الانتخابات الرئاسية ، وكذلك فعل سلفه رونالد ريجان ، لكن أيًا منهما لم يعلن شيئًا حاسمًا بعد وصوله إلى السلطة.
بينما يربط فريق رابع تلك الظواهر الغامضة بعالم الجن والشياطين والسحر الأسود ، معتبرين أن ما يراه البشر ليس كائنات فضائية بالمعنى الفعلي ، بل عفاريت تحدثت عنها النصوص القديمة والكتب الدينية ، عالم الفلك الفرنسي جاك فالي صاغ تلك النظرية في كتاب ” جواز سفر إلى ماغونيا ” عام 1969 ، تحدث جاك عن كائنات شريرة تعبر لعالمنا عبر طقوس شيطانية مريعة ، واسم الكتاب مستوحى من أسطورة فرنسية تتحدث عن مكان غامض اسمه «ماغونيا» تسكنه الشياطين والجنيات ، ثم جاء الباحث الأمريكي جون كيل في كتاب عملية “حصان طروادة ” بعده بسنة عام 1970م ليطرح مضمونًا قريبًا للغاية ، وعربيًا يظهر اسم محمد عيسى داود بكتابه المخيف ” حوار صحفي مع الجني المسلم مصطفى كنجور ” ، الكتاب كابوسي مُرعب ، له رهبة ما تملأ سطوره ، لا يُنصح بقراءته ليلًا ، وتم منع الكتاب من التداول لفترة طويلة في مصر ، ومضمونه نفس ما ذهب إليه الثنائي جاك الفرنسي وجون الأمريكي.
التفسيرات ما زالت مستمرة ، هناك من يربط هذه الظواهر المثيرة بتكنولوجيا متقدمة تتجاوز إدراكنا الحالي ، وتلك التكنولوجيا ترتبط بفتنة آخر الزمان وأعظم فتنة في تاريخ الأرض قاطبة «المسيخ الدجال» ، ويستشهد أصحاب هذا الرأي ببعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تصف سرعة الدجال بعبارات موحية مثل «كالغيث استدبرته الريح» ، ومحمد عيسى داود أول من تحدث عن تلك الفرضية في الكتاب ذائع الصيت ” احذروا المسيخ الدجال يخرج من مسلسل برمودا ويغزو العالم ” عام 1991م ، والكتاب نجح بشكل خيالي لا يصدق وقت صدوره.
عام 1994م ، كتب الصحفي الكندي سيرج موناست سلسلة مقالات مثيرة عن ما يسمى «مشروع الشعاع الأزرق» ، وقال سيرج إنه حصل بوسيلة ما على وثائق سرية للغاية من قلب المحافل الما…سونية في كندا ، وأطلق سيرج على تلك الوثائق اسم «بروتوكولات تورونتو» ، والوثائق تتحدث عن خطة طويلة المدى تمتد لما يزيد عن خمسين عامًا ، هدفها إسقاط كل القيم العائلية والمشاعر النبيلة في العالم ، وتدمير الاقتصاد الوطني للدول ، وإفساد التعليم ، ونشر الثقافة الاستهلاكية والإباحية لتمييع عقول الشباب ، وجعل الشعوب تابعة كليًا للشركات العابرة للقارات.
الأكثر إثارة أن الوثائق المسربة تتحدث عن أربع مراحل كي يحكم ملك المحافل الما…سونية قبضته على العالم ، المرحلة الأولى : تفكيك المعارف الأثرية الدينية الحالية عبر افتعال زلازل اصطناعية تكتشف آثارًا مزيفة تُثبت بطلان الأديان السماوية ، المرحلة الثانية هي العرض الضوئي الضخم واستخدام أشعة الليزر والهولوغرام ثلاثي الأبعاد في السماء لإظهار صور مجسمة تُمثل الأنبياء والمرسلين حسب ثقافة المنطقة ، لتجتمع هذه الصور في النهاية وتندمج في شخصية واحدة تُمثل «المسيح الدجال» أو «حاكم العالم الخفي» ، المرحلة الثالثة : التخاطر الإلكتروني الذاتي باستخدام موجات ترددية منخفضة جدًا ومتوسطة لإقناع كل شخص بأن الله يكلمه مباشرة داخل خلايا عقله ، المرحلة الرابعة : افتعال ظواهر خارقة وتزييف غزو فضائي كاذب ، ما يدفع الشعوب للاستسلام التام للنظام العالمي الجديد. أُلقي القبض على سيرج موناست من قبل السلطات الكندية في 4 ديسمبر 1996 ، بتهمة نشر معلومات مضللة كاذبة ومقالات تثير البلبلة ، وفي اليوم التالي لإطلاق سراحه توفي فجأة في منزله إثر أزمة قلبية عن عمر يناهز 51 عامًا ، مما زاد الغموض حول قصته ، ولم يعد أحد يذكر أو يناقش حقيقة بروتوكولات تورونتو ، وتم دفن المصطلح ، واعتُبر سيرج موناست مجنونًا ومدلسًا في الأوساط الإعلامية والثقافية والأكاديمية في كندا.
في المقابل يعتبر آخرون كل ما سبق محض خيال خصب ، ويفسرون كل ما يجري على أنه نتاج لتكنولوجيا أرضية متقدمة للغاية ، طورتها قوى كبرى في سرية تامة ، وأن البشر صنعوا الأطباق الطائرة كخدعة في إطار حرب مخابراتية شرسة ، وأن الأطباق الطائرة هي حرب تكنولوجية بدأت بين علماء دول الحلفاء وبين علماء دول المحور مع قرب نهاية الحرب العالمية الثانية ، والمهندس الإيطالي ريناتو فيسكو هو الأب الروحي لتلك النظرية في كتابه ” أطباق طائرة أرضية الصنع ” ، وفيسكو عمل في صيانة الطائرات الحربية الإيطالية خلال الحرب العالمية الثانية مما أكسب شهادته مصداقية عالية ، ولاحقًا دعمت قصص المنطقة 51 فكرة التكنولوجيا المخفية عن العوام لأغراض عسكرية ومخابراتية.
لكن وسط كل هذه النظريات يبقى سؤال عقلاني قديم يفرض نفسه : هل نحن وحدنا فعلًا في هذا الكون الهائل؟ مؤكد أن الحضارات القديمة تركت إشارات غامضة وألغازًا لم تُحل بعد ، والعلوم الحديثة كل يوم تكتشف الجديد ، وآيات كتاب الله تفتح لعقولنا بدورها أبوابًا واسعة للتأمل والتساؤل ببرهان قوله تعالى : «وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» ، وبالمناسبة هناك فصل جميل في كتاب الدكتور عبد الرزاق نوفل ” الله والعلم الحديث ” يتحدث عن ذلك الموضوع الشيق.
إذا سألتني عن أكثر موضوع قرأت عنه بشغف في حياتي كلها ، فسأقول لك بلا تردد : الكائنات الفضائية والقادمون من الفضاء الخارجي ، منذ عشت صبيًا مع نور وفريقه مغامرته المذهلة ضد غزاة ما وراء النجوم ، منذ قرأت ما كتبه راجي عنايت عن “سر الأطباق الطائرة المجهولة ” ، منذ فتح لنا أنيس منصور بابًا يقود إلى عالم أسطوري في كتاب ” الذين هبطوا من السماء ” ، ربما تدرك شغفي بالموضوع حين تعرف إنني أكتب رواية ليست للنشر على سبيل التسلية الشخصية وتخفيف الضغوط ، عنوانها «الذي جاء من أجلها» ، والعبد لله قارئها الوحيد ، بطلها زائر من الفضاء جاء إلى الأرض بحثًا عن حبيبته الفضائية المفقودة بين البشر ، فهل يجدها؟! أم تنتظره نهاية صادمة تليق بكل الحالمين في هذا الكون؟!
أما رأيي الشخصي — وهو مجرد حدس تكوَّن داخلي عبر السنوات — فأعتقد أن الحقيقة ربما تكون مزيجًا معقدًا من عدة نظريات سابقة معًا ، ولهذا سيظل هذا الملف محتفظًا بمكانه الخاص في ملف : «ما لم يحسمه التاريخ».










