تتجلى قصيدة “متاهة” للروائية هويدا حجاجي أحمد، بوصفها فصلاً شعرياً مكثفاً يغلفه الوجدان، حيث تبرز كبوابة نصية تحت عنوان “متاهة”؛ وهو عنوان رمزي يتجاوز المعنى الفيزيائي للمكان ليصبح استعارة عن حالة التيه النفسي والوجودي. يعكس هذا العنوان صراع الذات مع الغياب والذاكرة، ويشكل مفتاحاً لفك شفرة النص الذي يدور حول البحث عن الأنا المفقودة في دهاليز الحب. عند القراءة الاستكشافية، يلمس القارئ إيقاعاً نثرياً مشحوناً بعاطفة الحزن الشفيف والشجن الرومانسي، حيث تهيمن حالة من الاستسلام للذكريات التي تحولت إلى قدر لا فكاك منه، مما يصبغ النص بجو نفسي من التأمل الوجودي العميق الذي يناسب السياق الأدبي المعاصر المتمحور حول الذات والبوح.
وفي تشريح بنية النص، نجد أن المعجم الشعري ينقسم إلى حقلين دلاليين متداخلين: حقل “الضياع والمتاهة” (جدران، أسئلة، غريبة، غياب، دوران) وحقل “الاستحضار والذاكرة” (اسم، قنديل، ملامح، ذكرى، عيون). وتتسم اللغة هنا بالسهولة الممتنعة والقرب من لغة الحياة اليومية، لكنها محملة بشحنة رمزية عالية. أما الخيال الشعري، فقد اعتمد على تحويل المفاهيم المجردة كالفراق إلى صور ملموسة مثل “قنديل معلق في سقف الذاكرة”، وتصوير المدينة ككائن متآمر. فنياً، ابتعدت القصيدة عن قيود الإيقاع الخارجي للقصيدة العمودية لتعتمد على إيقاع التفعيلة الحرة والنثر الشعري، حيث يتمثل الإيقاع الداخلي في التكرار اللفظي (كلما، كل الطرق، كل النهايات) الذي يعزز حالة الدوران حول المركز، والطباق بين “الهروب” و”الوصول” الذي منح النص توازناً موسيقياً ونفسياً يعكس اضطراب المشاعر.
وعند التفكيك والتركيب، تتضح الوحدة العضوية للنص من خلال تطور درامي يبدأ بالضياع، يمر بالتعب من المقاومة، وينتهي بالوعي والاعتراف؛ فهي قصيدة رحلة داخلية بامتياز. تتراوح الجمل بين الخبرية التي تقرر حقيقة الألم، والإنشائية التي تنفجر كحالة من البوح الصادق. القضية المركزية هنا ليست مجرد “الخيبة في الحب”، بل هي رحلة “اكتشاف الذات عبر الآخر”. لقد نجحت البنية في الانتقال بسلاسة من الحيز الخارجي (شوارع باريس، المقاهي) إلى الحيز الداخلي (أعماق الذات)، مما جعل القصيدة وحدة متماسكة لا يمكن اقتطاع أي جزء منها.
ختاماً، وفي التأويل العميق، تقدم القصيدة رؤية فلسفية حول التصالح مع الجروح؛ إذ لا يكمن الخلاص في الهروب، بل في قبول “المتاهة” كجزء من تكويننا. الرسالة العميقة للنص تكمن في التحول الجذري في الوعي: من الاعتقاد بأن المحبوب هو “العائق”، إلى إدراك أنه كان “المرآة” التي كشفت ضياع الذات. إن نقاط قوة هذا النص تكمن في صدق العاطفة وقدرة الروائية على تحويل الألم إلى نص جمالي متكامل، وهو ما يجعله إضافة أدبية تلامس تجارب القراء الإنسانية بعمق. وعلى الرغم من شيوع ثيمات الحزن والرحيل في الأدب، إلا أن هويدا حجاجي أحمد استطاعت أن تضفي لمسة خاصة من خلال الربط بين المكان (باريس) وجمود الذاكرة، مما يمنح النص بصمة ذاتية فريدة تستحق التأمل والتقدير.










