تأتى ذكرى الهجرة النبوية كل عام لتذكرنا بأن الآمم العظيمة لا تبنى بالأمانى ولا تنهض بالشعارات وإنما تبنى بالإيمان والعمل والتضحية والصبر على الشدائد .. فالهجرة النبوية لم تكن مجرد إنتقال النبى صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة بل كانت حدثا تاريخيا غير مجرى الإنسانية وأسس لدولة قامت على العدل والرحمة والمساواة وإحترام الإنسان.
لقد تعرض النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأشد أنواع الأذى والاضطهاد ومع ذلك لم يتخلوا عن رسالتهم ولم يفقدوا الآمل فى نصر الله .وعندما أشتد البلاء جاء أمر الله بالهجرة فترك النبى صلى الله عليه وسلم أحب بقاع الأرض الى قلبه , تاركا وطنه وأهله لا ضعفا أو هروبا وإنما تنفيذا لأمر الله وسعيا لبناء مستقبل أفضل لدعوته وأمته .
وتتجلى عظمة الهجرة فى أنها جمعت بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب فقط خطط النبى صلى الله عليه وسلم للهجرة بدقة ,وأختار الرفيق الأمين وهيأ الطريق , وأتخذ كل أسباب الحماية ثم توكل على الله حق التوكل وهنا تتجسد إحدى أعظم الرسائل التى تحتاج اليها اليوم أن الإيمان الحقيقى لا يعنى انتظار المعجزات بل يعنى العمل الجاد مع الثقة فى عون الله وتوفيقه
ويظل مشهد الغار من أعظم مشاهد الثبات فى التاريخ حين أحاط المشركين بالنبى صلى الله عليه وسلم وصاحبه ابى بكر الصديق رضى الله عنه , فقال له مطمئنا ” لاتحزن إن الله معنا” كلمات قليلة لكنها صنعت اليقين ومنحت القوة فى لحظة كان الخوف فيها يحيط بكل شىء
إن الهجرة تعلمنا أن الآزمات ليست نهاية الطريق وأن المحن قد تكون بداية لإنطلاقه جديدة .فبعد سنوات من المعاناة فى مكة كانت المدينة المنورة بداية بناء المجتمع الاسلامى , حيث اخى النبى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وأرسى قواعد التعايش والتكافل والعدل ووضع أول نموذج لدولة تحترم الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية .
وفى واقعنا المعاصر نحن أحوج مانكون الى إستلهام معانى الهجرة فالأمم لا تتقدم إلا عندما تهاجر من الكسل الى العمل ومن الفرقة الى الوحدة ومن الفساد الى الاصلاح ومن اليأس الى الأمل والهجرة الحقيقية اليوم ليست انتقالا بالأجساد بل انتقال بالعقول والأفكار والسلوك نحو مستقبل أفضل .
إن ذكرى الهجرة النبوية ليست مناسبة للإحتفال فحسب بل هى فرصة للمراجعة والتأمل وإستخلاص الدروس فكما استطاع النبى صلى الله عليه وسلم أن يحول المحنة الى منحة والاضطهاد الى انتصار والضعف الى قوة فإن الشعوب القادرة على التعلم من تاريخها تستطيع أن تصنع مستقبلها مهما كانت التحديات .
فلتكن الهجرة النبوية مصدر إلهام لنا جميعا نجدد بها إيماننا ونقوى بها عزيمتنا ونعيد بها بناء قيم العمل والإخلاص والتضحية. حتى تنهض أوطاننا ونحقق الخير لأمتنا .ويصبح المستقبل أكثر إشراقا للأجيال القادمة .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










