تعد بطولة كأس العالم من أكبر الأحداث الرياضية العالمية التي تتجاوز آثارها حدود المنافسات الكروية، لتصبح مناسبة اقتصادية وإعلامية واستثمارية ذات تأثير واسع على مختلف الدول، بما فيها مصر. فعلى الرغم من عدم استضافة البطولة، فإن الاقتصاد المصري يحقق العديد من المكاسب المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالحدث العالمي، سواء من خلال حقوق البث، أو النشاط التجاري، أو السياحة الرياضية، أو زيادة الإنفاق الاستهلاكي.
أولًا: عوائد حقوق البث والإعلانات
تمثل حقوق بث مباريات كأس العالم مصدرًا مهمًا للعوائد الاقتصادية، حيث تستفيد القنوات الناقلة والشركات الراعية والمعلنين من ارتفاع معدلات المشاهدة، مما ينعكس على زيادة الإنفاق الإعلاني وتنشيط سوق الإعلام والاتصالات. كما تستفيد شركات التسويق الرياضي من الحملات الترويجية المرتبطة بالبطولة.
ثانيًا: تنشيط الأسواق وحركة الاستهلاك
تشهد الأسواق المصرية خلال فترة البطولة زيادة ملحوظة في الطلب على أجهزة التلفزيون والشاشات ومستلزمات المشاهدة، إلى جانب ارتفاع الإقبال على المطاعم والمقاهي والأندية الرياضية. كما تستفيد شركات الأغذية والمشروبات من زيادة معدلات الاستهلاك، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على حركة التجارة الداخلية.
ثالثًا: تنمية السياحة الرياضية
يساهم سفر الجماهير المصرية لمتابعة المباريات في الخارج في تعزيز الحضور المصري على الساحة الرياضية الدولية، كما يفتح المجال أمام شركات السياحة والطيران المصرية لتنظيم برامج سياحية خاصة بالجماهير، بما يحقق إيرادات إضافية لقطاع الخدمات المرتبط بالسفر والتنقل.
رابعًا: استفادة الأندية واللاعبين المصريين
في حال مشاركة الأندية أو اللاعبين المصريين في البطولة، تتحقق عوائد مالية مباشرة تتمثل في الجوائز المالية والمكافآت وحصص المشاركة، فضلًا عن زيادة القيمة التسويقية للاعبين والأندية، وهو ما يعزز من فرص الاستثمار في قطاع كرة القدم المصرية.
خامسًا: فرص التسويق والرعاية
توفر البطولة منصة عالمية للشركات المصرية من أجل تعزيز حضورها التسويقي، سواء من خلال الرعاية أو الحملات الإعلانية أو الترويج للمنتجات والخدمات، بما يساهم في زيادة المبيعات وفتح أسواق جديدة.
سادسًا: تعزيز الاقتصاد الرقمي
شهدت السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في استخدام المنصات الرقمية والتطبيقات الرياضية خلال البطولات الكبرى، وهو ما يساهم في زيادة نشاط شركات الاتصالات وخدمات الإنترنت ومنصات الدفع الإلكتروني، فضلًا عن تنشيط التجارة الإلكترونية المرتبطة بالمنتجات الرياضية.
سابعًا: القوة الناعمة وتعزيز الصورة الذهنية لمصر
يمثل الحضور المصري في البطولات العالمية أحد أدوات القوة الناعمة، حيث يسهم في تعزيز مكانة مصر الرياضية والإعلامية والثقافية، ويدعم جهود الترويج للدولة باعتبارها مركزًا إقليميًا للرياضة والسياحة والاستثمار.
يخوض منتخب مصر منافسات المونديال ما ضمن الحصول على ما لا يقل عن 12.5 مليون دولار من الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، ضمن حزمة الجوائز المالية المخصصة للبطولة، ما يعكس الطفرة الكبيرة في العوائد الاقتصادية المرتبطة بالحدث العالمي.
ثامنا : ارتفاع القيمة السوقية لمنتخب مصر ولاعبيه
تشهد النسخة الحالية أكبر حضور عربي في تاريخ كأس العالم، بمشاركة 8 منتخبات عربية هي مصر والمغرب والجزائر وتونس والسعودية والعراق والأردن وقطر، في مؤشر على تنامي الحضور العربي في المنافسات العالمية.
871 مليون دولار قيمة جوائر البطولة
رصد “فيفا” نحو 871 مليون دولار كجوائز مالية للبطولة، مقارنة بـ440 مليون دولار في نسخة قطر 2022. ويحصل كل منتخب مشارك على 12.5 مليون دولار مضمونة، منها 10 ملايين دولار مقابل المشاركة، إضافة إلى 2.5 مليون دولار مخصصة للإعداد والتحضير للبطولة، بينما يتم توزيع مبالغ إضافية على المنتخبات التي تتقدم إلى الأدوار الإقصائية.
تحمل البطولة زخماً اقتصادياً استثنائياً، إذ ستقام 104 مباريات على 16 ملعباً موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهو العدد الأكبر من المباريات في تاريخ كأس العالم، ما يعزز من حجم الإنفاق والعوائد المرتبطة بالبطولة.
القيمة السوقية للمنتخبات المشاركة 19.6 مليار دولار
على مستوى القيمة السوقية، تبلغ القيمة الإجمالية للمنتخبات الـ48 المشاركة نحو 17.3 مليار يورو أي ما يعادل ( 19.6 مليار دولار )، فيما يحتل منتخب مصر المركز الـ34 عالمياً بقيمة سوقية تقدر بنحو 116.5 مليون يورو أي ما يعادل( 134 مليون دولار )، وفقاً لتقديرات موقع “ترانسفير ماركت”.
يعد عمر مرموش، المحترف في مانشستر سيتي الإنجليزي، أبرز عناصر المنتخب المصري من الناحية التسويقية، إذ تبلغ قيمته السوقية نحو 50 مليون يورو أي ما يعادل (57.5 مليون دولار) ، ما يمثل نحو 43% من إجمالي القيمة السوقية للفراعنة.
تتصدر فرنسا قائمة المنتخبات الأعلى قيمة سوقية في البطولة بنحو 1.52 مليار يورو أي ما يعادل ( 1.75 مليار دولار )، تليها إنجلترا بقيمة 1.36 مليار يورو ( 1.5 مليار دولار ) ، ثم إسبانيا بنحو 1.22 مليار يورو( 1.4 مليار دولار ) ، فيما تأتي البرتغال رابعة بقيمة تتجاوز مليار يورو ( 1.16 مليار دولار ).
مع انطلاق صافرة البداية غدا، يترقب الجمهور المصري مشاركة الفراعنة في النسخة الأكثر ضخامة وربحية في تاريخ كأس العالم، وسط آمال بتحقيق نتائج رياضية مميزة تعزز من العوائد المالية وترفع من القيمة التسويقية للاعبي المنتخب خلال الفترة المقبلة.
ثامنا : ارتفاع القيمة السوقية لمنتخب مصر ولاعبيه.. مكاسب رياضية واقتصادية متنامية
شهدت القيمة السوقية لمنتخب مصر الأول لكرة القدم ولاعبيه ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتألق عدد من اللاعبين المحترفين في الدوريات الأوروبية والعربية، ونجاح العديد منهم في تحقيق إنجازات فردية وجماعية، الأمر الذي انعكس إيجابًا على مكانة الكرة المصرية وقيمتها الاقتصادية.
وتُعد القيمة السوقية للاعبين مؤشرًا مهمًا على مستوى الأداء الفني والطلب عليهم في سوق الانتقالات العالمية، حيث تسهم المشاركات الدولية المتميزة والظهور القوي في البطولات القارية والعالمية في زيادة قيمتهم المالية، بما يرفع من القيمة السوقية الإجمالية للمنتخب الوطني.
ويأتي في مقدمة العوامل التي ساهمت في هذا الارتفاع، النجاح الكبير الذي حققه عدد من نجوم المنتخب المصري في الاحتراف الخارجي، وفي مقدمتهم محمد صلاح، إلى جانب مجموعة من اللاعبين الذين ينشطون في الدوريات الأوروبية والخليجية، وهو ما عزز من سمعة اللاعب المصري وزاد من اهتمام الأندية العالمية بمتابعته والتعاقد معه.
كما أن ارتفاع القيمة السوقية للاعبي المنتخب لا يقتصر أثره على الجانب الرياضي فقط، بل يمتد إلى تحقيق مكاسب اقتصادية عديدة، منها زيادة عوائد انتقالات اللاعبين، وارتفاع قيمة حقوق الرعاية والإعلانات، فضلاً عن تنشيط سوق الاستثمار الرياضي، وتشجيع الأندية على تطوير قطاعات الناشئين واكتشاف المواهب القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ومن شأن استمرار الأداء المتميز للمنتخب المصري، والتأهل إلى البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، أن يساهم في زيادة القيمة السوقية للاعبين بشكل أكبر، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الرياضي المصري، ويعزز من قدرة الأندية المصرية على تحقيق عوائد مالية من بيع اللاعبين وتسويقهم خارجيًا.
وفي هذا السياق، أصبحت كرة القدم صناعة اقتصادية متكاملة، ولم يعد تقييم المنتخبات والأندية قائمًا على النتائج فقط، بل على حجم الأصول البشرية التي تمتلكها، ومدى قدرتها على تحويل المواهب إلى قيمة اقتصادية حقيقية. ومن ثم، فإن ارتفاع القيمة السوقية لمنتخب مصر ولاعبيه يمثل أحد المؤشرات المهمة على تطور الكرة المصرية، ويعكس الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها مصر لتعزيز حضورها الرياضي والاقتصادي على المستويين الإقليمي والدولي.
وبذلك، فإن الاستثمار في تطوير اللاعبين، وتوسيع قاعدة الممارسة، والاهتمام بقطاعات الناشئين، يعد من أهم الركائز التي تضمن استمرار ارتفاع القيمة السوقية للكرة المصرية، وتحويل النجاح الرياضي إلى قوة اقتصادية داعمة للتنمية الشاملة.
ختامًا
تؤكد التجارب الدولية أن بطولة كأس العالم ليست مجرد حدث رياضي، بل تمثل منظومة اقتصادية متكاملة تخلق فرصًا متعددة للنمو والاستثمار. ومن ثم، فإن مصر تستطيع تعظيم استفادتها من البطولة الحالية من خلال تطوير صناعة الرياضة، وتعزيز التسويق الرياضي، والاستثمار في الإعلام والسياحة الرياضية، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ويدعم مسار التنمية المستدامة.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










