فى زمن تتسارع فيه الأخبار عبر الشاشات والهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعى لم تعد المعركة الحقيقية بين الصواب والخطأ فحسب بل أصبحت بين الحقيقة والشائعة وبينما تسير الحقيقة بخطوات هادئة وواثقة تنطلق الشائعة كالسهم تخترق العقول قبل أن تطرق أبواب المنطق ونجد من يصدقها ويروج لها قبل أن يتأكد من صحتها .
لقد علمتنا التجارب أن الحقيقة لا تحتاج الى صناعة أو تزييف فهى موجودة بذاتها تستمد قوتها من صدقها وثباتها لكنها فى كثير من الأحيان لا تجد الترحيب الذى يستحقه لآن بعض الحقائق تكون صادمة أو مؤلمة أو تصطدم بمصالح وأهواء وروايات أعتاد الناس تصديقها ولذلك كثيرا ما يدفع اصحاب الحقيقة ثمن تمسكهم بها فيتعرضون للتشكيك أو التجاهل أو حتى الهجوم .
أما الشائعة فهى منتج يتم تصنيعة بعناية يقوم نجاحها على الأثارة والغموض والمبالغة ولذلك تجد طريقها الى الناس بسرعة مذهلة فالنفس البشرية بطبيعتها تميل احيانا الى سماع مايثير الدهشة أكثر من ميلها الى البحث عن الحقيقة المجردة ولهذا تنتشر الشائعة فى ساعات بينما تحتاج الحقيقة الى وقت طويل حتى تثبت نفسها وتصحح ماأفسدته الاكاذيب
ولعل أخطر ما فى الشائعة انها لا تكتفى بتضليل الأفراد بل قد تهدم سمعة إنسان أو تثير فتنة بين الناس أو تزعزع الثقة فى المؤسسات أو تخلق حالة من القلق والأرتباك داخل المجتمع وقد شهد العالم بأسره خلال السنوات الاخيرة كيف تحولت بعض الشائعات الى أدوات للتأثير على الرأى العام وإثارة الانقسامات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
وفى المقابل فإن الحقيقة لا تبحث عن التصفيق السريع ولا عن الشهرة المؤقتة صاحب الحقيقة قد يخسر جولات كثيرة وقد يجد نفسه وحيدا فى مواجهة تيار جارف من الاكاذيب لكنه فى النهاية يملك أقوى سلاح وهو الواقع نفسه فالاكاذيب مهما انتفخت ومهما أرتفعت لا تستطيع الصمود طويلا أمام الوقائع
إن المجتمعات القوية لا تبنى على الشائعات بل على المعرفة والوعى والتحقق من المعلومات ومن واجب كل مواطن أن يتحرى الدقة قبل أن ينقل خبرا أو يشارك منشورا أو يردد رواية لم يتأكد من صحتها فالكلمة مسؤولية وقد تكون مشاركة واحدة سببا فى نشر كذبة تصل الى ألاف الناس
فى النهاية الحقيقة بلا أجنحة لكنها لا تسقط أبدا والشائعة تطير سريعا لكنها لا تعرف طريق البقاء قد تكسب الشائعة ضجيج اللحظة لكن الحقيقة تكسب احترام التاريخ وبين ضوضاء الاكاذيب وصمت الحقائق يبقى الرهان دائما على الوعى . لأن أمة تحترم الحقيقة لا يمكن أن تهزمها الشائعات مهما كثرت ومهما أرتفعت السماء .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










