تعتمد الاستدامة المالية لقطاع النقل في مصر على التحول نحو النقل الأخضر عبر تمويلات ضخمة وشراكات دولية ومحلية، وعلى رأسها مبادرة “نُوَفِّي+” لدعم مشروعات النقل المستدام باستثمارات تتجاوز 3.4 مليار دولار، إلى جانب تمويلات أوروبية بقيمة تتجاوز 1.68 مليار دولار لتنفيذ شبكات القطار الكهربائي السريع. في خطوة جديدة نحو مستقبل أكثر استدامة، أعلنت الحكومة المصرية عن دعم كبير لقطاع النقل الأخضر عبر برنامج “نوفي”، الذي يوفر تمويلًا ضخمًا لتنفيذ مشروعات متطورة تعزز التحول نحو وسائل نقل صديقة للبيئة. تأتي هذه المبادرة الطموحة في سياق التزام مصر بتقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق التنمية المستدامة، من خلال تطوير شبكة متكاملة من المواصلات الحديثة التي تربط بين المدن وتوفر خيارات أكثر كفاءة وأمانًا للمواطنين.
يُعد ميناء شرق بورسعيد، الذي يقع ضمن قناة السويس، أحد الموانئ الاستراتيجية التي تشهد نموًا ملحوظًا في حركة نقل البضائع؛ مما يضاعف الحاجة إلى تبني نهج النقل الأخضر. يوفر هذا الميناء فرصًا كبيرة لتنفيذ حلول لوجستية مستدامة، تهدف إلى تقليل التأثير البيئي وتحسين كفاءة العمليات التشغيلية. هذه الدراسة تستعرض تطبيق نهج النقل الأخضر في ميناء شرق بورسعيد، من خلال تسليط الضوء على التحديات الحالية والفرص المتاحة لتحسين الأداء البيئي في عمليات النقل البحري واللوجستي، وتهدف إلى تقديم حلول مبتكرة تسهم في تعزيز الاستدامة البيئية في القطاع، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة لمصر.
يغطي قطاع النقل البنية التحتية الأساسية للنقل (الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات)، وكذلك الهيئات المنظِّمة (الوزارات والهيئات والوكالات)، والشركات التي تقدم خدمات نقل الأشخاص (المشغلين) أو البضائع (اللوجستيات) باستخدام هذه البنية التحتية. تقسم تدفقات الأشخاص والبضائع إلى تدفقات داخل المدن والمناطق الحضرية (التنقل الحضري)، وبين المدن (التنقل الداخلي) وبين مصر والعالم (التنقل الدولي).
يضطلع النقل بدور مهم في الاقتصاد والمجتمع؛ فهو يساهم بنسبة 5٪ في الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل 6.7٪ من ميزانية كل أسرة -باستثناء مشتريات السيارات- ويوفر فرص عمل لملايين العمال، لا سيما في القطاع غير الرسمي.
يؤثر النقل على البيئة -ومن ثم على الصحة العامة- لأنه يساهم بشكل كبير في تلوث الهواء داخل الدولة، كما أنه ثاني أكبر وأسرع مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ومن هنا، يعد الحد من تأثير النقل على المناخ هدفاً رئيسياً للسياسة على الصعيد العالمي، لا سيما في ضوء اتفاقيات باريس بشأن التغير المناخي 2015.
من ناحية أخرى؛ تعد حوادث الطرق من أهم قضايا الصحة العامة، حيث تقتل 19 مصرياً يومياً، وتصيب كثيرين غيرهم، وتقلل من الرفاه والرخاء.
يمكن تعزيز الوصول العادل إلى وسائل النقل من خلال ضمان وصول المواطنين إلى الفرص والخدمات بتكلفة ميسورة وبأمان. بالنسبة لمواطني الريف، غالباً ما يعني ذلك الوصول الميسور الذي لا تقطعه العقبات إلى الطرق المؤدية إلى أقرب الأسواق، ومراكز التعليم، والصحة، والمرافق العامة بتكلفة معقولة. أما بالنسبة لسكان المناطق الحضرية،
فإن الوصول يقاس بفارق وقت التنقل(journey gap) بين أولئك الذين لديهم سيارات خاصة ودراجات نارية، وأولئك الذين ليس لديهم هذه المركبات للقيام بالرحلة نفسها، وكذلك يقاس بوقت الوصول إلى العمل للمقيمين في الأحياء المختلفة. وبالنسبة للمواطنين الأكثر هشاشة وضعفاً، فالمقياس هنا يمكن أن يكون قدرة الفقراء على تحمل تكلفة التذكرة؛ وكذلك الأمان من التحرش بالنساء، أو تمكن ذوي الإعاقة من الوصول إلى نظام النقل.
ومن هنا يمكننا القول إن النقل هو -إلى حد كبير- أداة للتنمية البشرية والاندماج الاجتماعي. كما يمكن للاستثمارات فيه أن تجلب عوائد اقتصادية كبيرة، وهو يمثل إحدى الخيارات الأولى للسعي وراء مجالات التنمية.
التنقل بين المناطق الحضرية، أو سفر الأشخاص داخل المدن للوصول إلى العمل والفرص.
السفر بين المدن، أو سفر الأشخاص بين المدن (محليًا وإقليميًا ودوليًا).
الشحن والخدمات اللوجستية، أو حركة البضائع أو المنتجات أو المواد الخام. يمكن التمييز بين النقل المادي (الشحن) وعملية إدارة عملية النقل المادي بأكملها (اللوجستيات)، والتي تشمل التخزين والتعبئة والجمارك وما إلى ذلك. يأتي هذا الفوز استمرارًا لحضور مصر الفاعل داخل المنظومة البحرية العالمية، وتطور قدراتها في دعم سلامة وكفاءة النقل البحري،
إذ يمثل تتويجًا لجهود الدولة في تنفيذ خطة شاملة لتطوير الموانئ المصرية ورفع كفاءتها التشغيلية، بما يعزز تنافسية منظومة النقل البحري، ويدعم مكانة مصر كمركز إقليمي وعالمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت، في ظل طفرة تنموية غير مسبوقة شهدها قطاع النقل البحري خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس بدوره تنامي الثقة الدولية في الدور الملاحي المصري.
كما زادت رحلات السفن بالموانئ بنسبة 12.5%، لتصل إلى 16.2 ألف رحلة سفينة عام 2024، مقابل 14.4 ألف رحلة سفينة عام 2023، إلى جانب زيادة تداول الحاويات بالموانئ بنسبة 7.1%، لتصل إلى 9 ملايين حاوية مكافئة عام 2024، مقابل 8.4 ملايين حاوية مكافئة عام 2023.
وأشارت الإنفوجرافات إلى أنه نجاح الدولة في جذب أكبر 6 خطوط ملاحية عالمية، و7 من أكبر مشغلي الموانئ عالميًا للعمل بالموانئ المصرية، فضلًا عن تشغيل خط الرورو المصري – الإيطالي من ميناء دمياط إلى ميناء تريستا.
وبشأن الخطة الشاملة لتطوير الموانئ البحرية لزيادة تنافسيتها عالميًا، بلغت تكلفة تطوير المواني البحرية 129 مليار جنيه خلال الفترة (2014-2024)، ومن أبرزها مشروع تطوير ميناء الإسكندرية الكبير، حيث تم إنشاء محطة “تحيا مصر” متعددة الأغراض بتكلفة 7 مليارات جنيه، وبطاقة استيعابية تتراوح بين 12 إلى 15 مليون طن. كما تم إنشاء 3 محاور لربط ميناء الإسكندرية بمحور الفريق أبو ذكري “محور التعمير”، إلى جانب إنشاء رصيف 3/85 بطول 433 مترًا، ومحطة لوجستية متكاملة الخدمات لتداول وتخزين الحبوب بالرصيف.
وشملت مشروعات التطوير ميناء شرق بورسعيد، بأطوال أرصفة بلغت 8.4 كم تم إنشاؤها، وجارٍ تنفيذ المرحلة الثالثة بطول 6.2كم، كما تم إنشاء محطة الحاويات لشركة قناة السويس (SCCT)، فضلًا عن إجراء أول عملية تزود للسفن بالوقود الأخضر في إفريقيا والشرق الأوسط في 22 أغسطس 2023.
وتضمنت خطة التطوير مواني البحر الأحمر، حيث بلغت تكلفة تطوير ميناء نويبع البحري 463 مليون جنيه، كما تم تطوير ميناء سفاجا، بما شمل إنشاء مخزن نموذجي بمساحة 5900 م2، بتكلفة 41 مليون جنيه، إلى جانب إنشاء ساحات للشاحنات الثقيلة بتكلفة 34.5 مليون جنيه، بالإضافة إلى إنشاء رصيف بطول 65 مترًا بتكلفة 65 مليون جنيه.
وفي ميناء السخنة، تم حفر 5 أحواض بأعماق 19 مترًا، وكذلك إنشاء 18كم أرصفة، و3300م حواجز أمواج، فضلًا عن إنشاء 17 كم طرق داخلية، و30 كم سكك حديدية. كما شهد ميناء دمياط إنشاء محطة متعددة الأغراض بأطوال أرصفة 680م، بتكلفة 1.4 مليار جنيه، مع تطوير الحاجز الشرقي بإضافة 1425م، وجارٍ إنشاء الحاجز الغربي بطول 4440 م، بتكلفة 3.4 مليار جنيه.
بلغت الاستثمارات المنفذة لتطوير الموانئ المصرية ما قيمته 8.5 مليارات جنيه خلال عام 2021/2022، مقارنًة بنحو 3.4 مليارات جنيه خلال عام 2020/2021، بنسبة ارتفاع بلغت 150%، وقد تم تخصيص نحو 129 مليار جنيه لتطوير الموانئ البحرية، وحددت وزارة النقل عدة أهداف استراتيجية ممثلة في مجموعة من المحاور ويتمثل أحد تلك المحاور في إنشاء ممرات لوجستية دولية تنموية متكاملة تربط مناطق الإنتاج سواء الصناعية أو الزراعية أو التعدينية أو الخدمية بالموانئ البحرية من خلال وسائل نقل سريعة وآمنة مرورًا بالموانئ الجافة والمناطق اللوجستية المتكاملة.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










