انتهت الحرب ـ أو كادت تنتهي ـ بين إيران وأمريكا وإسرائيل، لكن حروب العرب لم ولن تنتهي قريبا، فمازالت أرضهم محتلة، ومازالت الأطماع في ثرواتهم قائمة، ومازال ميزان القوى في غير صالحهم، بالرغم من أن الحليفين التاريخيين ـ أمريكا وإسرائيل ـ قد خرجا من الحرب أضعف مما دخلاها، وبالرغم من أن الشقاق الذي دب بينها وصل إلى مدى غير مسبوق بالشتائم والإهانات والتهديد والوعيد.
هذه لحظة مفصلية في مسار الصراع العربي الإسرائيلي يجب أن يعيها العقل العربي ويستوعبها ويعمل على استثمارها، ليست قضيتنا من انتصر في الحرب ومن انهزم، وليست قضيتنا إلى متى سيستمر الشقاق الحالي بين الأمريكيين والإسرائيليين، وإنما قضيتنا هي كيف نستفيد من الوضع الحالي ونبني عليه، وما الدروس التي يجب أن نتوقف عندها، وما الأهداف التي نرسمها لأنفسنا ونسعى إلى إنجازها وسط الأمواج الهائجة من حولنا، وما رؤيتنا للمستقبل، وكيف نصحح تحالفاتنا ومساراتنا كي نحافظ على أمننا القومي؟
لو كان لدينا مراكز أبحاث معتمدة وموثوق بها خارج الأطر القطرية والاستقطابات السياسية والأيديولوجية لربما سهلت علينا المهمة، لأن ما تفرضه ضرورات اللحظة يعلو فوق هذه الأطر، وحاجتنا إلى استثمار اللحظة يحقق مصلحة العرب جميعا، مثلما كان التهديد الذي أطلقه بنيامين نتنياهو قبل الحرب يضع العرب في سلة واحدة، حين تفاخر بأنه يغير وجه الشرق الأوسط ويغير حدود سايكس/ بيكو، ويجعل القيادة لإسرائيل في توفير الأمن والاستثمارات والعلم والتكنولوجيا لدول المنطقة.
الآن يظهر نتنياهو بوجه مكفهر مخطوف، ويتحدث بلسان غير الذي كان يتحدث به قبل أسبوع واحد، ويقف مع المتطرفين في حكومته عرايا منهكين أمام مواطنيهم بعد أن كشف ترامب ونائبه دي فانس عنهم الغطاء الأمريكي، وذكرهم بأنه لولا أمريكا ما بقيت إسرائيل، وأن انتقاد ترامب سيفقدهم الصديق الوحيد لهم بعد أن ساءت سمعتهم في كل دول العالم، وفي المقابل يتعرض ترامب ونائبه لحملة تشهير وتهديد فجة من اللوبي الصهيوني.
وفي الداخل الأمريكي هناك انقسام كبير، قطاع عريض يرى أن الاتفاق مع إيران هزيمة إستراتيجية، وأن ترامب خرج من الحرب خاوي الوفاض، يحاول فقط الحفاظ على ماء الوجه وما تبقى من مكانة لبلاده، وأن نتنياهو هو من جر ترامب إلى حرب لا حاجة لأمريكا بها، وخدعه بأن النصر سيكون سريعا حاسما لتحقيق أهداف شخصية.
في هذه اللحظة التاريخية النادرة ماذا فعل العرب وماذا يفعلون؟
العرب ـ للأسف ـ غائبون تماما عن المشهد، لم يسمع لهم صوت، ولم يظهر لهم موقف، وهم الذين كانوا في قلب الحدث، فإيران مستهدفة من أمريكا وإسرائيل منذ انفتاحها على القضية الفلسطينية ودعمها للمقاومة ورفضها لمخططات الاستسلام، وحزب الله مستهدف منذ اشتراكه في حرب الإسناد للمقاومة الفلسطينية في طوفان الأقصى، ولبنان دفع الثمن غاليا من أمنه وأرضه ومقدرات شعبه، ومعظم دول الخليج تم توريطها بشكل أو بآخر في الحرب ونالها قسط من الخراب والدمار بسبب استخدام القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أرضها في ضرب إيران، وأيضا بسبب تعمد إسرائيل أن تمر طائراتها المقاتلة وصواريخها المتجهة إلى إيران عبر الأجواء العربية، وربما تدفع دول الخليج لطهران مليارات من الدولارات تفوق ما دفعته لأمريكا، رغم أنها كانت أكثر الأطراف المتضررة من الحرب ومن إغلاق مضيق هرمز.
وإذا كانت دعوات التضامن قد فشلت من قبل في أن تجمع العرب على قاعدة قومية أو دينية فإن التضامن اليوم أضحى ضرورة حتمية تفرضها المصلحة العامة وغريزة البقاء، هذا التضامن يعني الاتفاق على كلمة موحدة لتوسيع التعاون بين الدول العربية في مجالات الدفاع المشترك وإنتاج السلاح والتكامل الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الخارج، وتحجيم دور القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة لينحصر في الدفاع عن الدولة المضيفة وليس الزج بها في صراعات إقليمية لحساب إسرائيل، وتفعيل التعاون مع دوائر الانتماء الإسلامي والآسيوي والإفريقي، وتوسيع التحالفات الخارجية لتشمل دولا أخرى كالصين وروسيا وكوريا وباكستان.










