شاهد من أهلها:
كارثة غزة .. “ظلمة تسبق الفجر” ..!!
الكيان الصهيوني هشٌّ للغاية..ولا يوجد ما يوحد المستوطنين..!!
ما يجري من “تطهير عرقي” .. لا يختلف عما حدث في نكبة 1948 ..!!
السابع من أكتوبر ذريعة.. لاستكمال ما عجزت الحركة الصهيونية عن إنجازه ..!!
تقرير يكتبه
عبد المنعم السلموني
الكارثة التي وقعت يوم الخميس الماضي تمثل مستوى جديدا في “النكبة” الجديدة وعمليات الإبادة والتطهير العرقي المتصاعدة ضد الفلسطينيين بقطاع غزة. لقد قُتل أكثر من 100 شخص قتلوا وأصيب أكثر من 700 آخرين، بعد أن فتحت القوات الإسرائيلية النار على حشد من الناس بمدينة غزة المدمرة أثناء انتظارهم للحصول على المساعدات الإنسانية. واعترف مسؤول في الجيش الإسرائيلي بأن جنود الاحتلال أطلقوا النار على الحشد،.
ويقول إيشان ثارور وسامي ويستفال، في تحليل على موقع الواشنطن بوست، إن هذا الحادث المروع يلخص الكثير من رعب اللحظة في غزة، التي دمرتها الحملة العسكرية الإسرائيلية. ووصف مراقبون وصحفيون المشهد بأنه “مجزرة الدقيق”. واستوعبت المستشفيات المكتظة وشبه المدمرة في غزة سيلًا جديدًا لمئات الجرحى المدنيين، الذين قال المسؤولون لمراسلي الواشنطن بوست إن العديد من إصاباتهم ناجمة عن إطلاق النار .
وقد قُتل أكثر من 30 ألف شخص في غزة منذ بدء الحرب المستمرة. التجويع والمرض يطاردان الناس ويدفعان عدداً لا يحصى من سكان القطاع إلى عمليات بحث يومية يائسة عن الغذاء والماء، وهو ما يمكن أن ينتهي بمشاهد كتلك التي وقعت يوم الخميس. ويواجه الجزء الأكبر من سكان غزة، الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة، غول المجاعة وهي أسرع انخفاض من نوعه في مستوى التغذية للسكان، وفقا لعمال الإغاثة. ويتضور الأطفال جوعا بأسرع معدل عرفه العالم على الإطلاق.
هناك عدد لا يحصى من الحكايات عن أطفال ورضع ليس لديهم طعام كافٍ ويموتون بسبب التسمم من استهلاك الأعلاف الحيوانية، التي يتناولها البعض كوجبات غذائية في غياب الدقيق. وقدرت منظمة اليونيسيف، وكالة الأمم المتحدة للطفولة، أن حوالي 17 ألف طفل في غزة فقدوا ذويهم أو منفصلون عن أسرهم. سوف يعاني جيل من الأطفال الفلسطينيين من آثار الحرب، وتدمير منازلهم ومدارسهم، والصدمة العميقة الناجمة عن التهرب من القنابل بينما يشعرون بالحزن على الخسارة.
ما سبق يعود بنا إلى يوم ذكرى الإبادة الجماعية السنوي الذي أقامته لجنة حقوق الإنسان الإسلامية بلندن، يوم 21 يناير 2024، حيث تحدث البروفيسور إيلان بابي، حول الحاجة لفهم أن الإبادة الجماعية للفلسطينيين التي نشهدها حاليًا، رغم وحشيتها، تحمل في طياتها أيضًا زوال ما يسمى بالدولة اليهودية، واصفا ما يحدث في غزة بأنه “الظلمة التي تسبق الفجر”..!!
وإيلان بابيه هو مؤرخ إسرائيلي، وأستاذ التاريخ ومدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية بجامعة إكسيتر البريطانية. وله العديد من الكتب، أحدثها “أكبر سجن على وجه الأرض: تاريخ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين” (Oneworld، 2015)، و”فكرة إسرائيل” (Verso، 2014) و”الشرق الأوسط الحديث”؛ تاريخ اجتماعي وثقافي (روتليدج، 2014) و”التطهير العرقي في فلسطين”.
وطبقًا لبابيه، فإن فكرة الصهيونية كاستعمار استيطاني ليست جديدة. كان الباحثون الفلسطينيون في بيروت خلال الستينيات قد أدركوا بالفعل أن ما يواجهونه في فلسطين لم يكن مشروعًا استعماريًا كلاسيكيًا. ولم يصوروا إسرائيل على أنها مجرد مستعمرة بريطانية أو أمريكية، بل اعتبروها ظاهرة موجودة في أجزاء أخرى من العالم؛ تعرف بالاستعمار الاستيطاني.
وعلى مدى 20 إلى 30 عامًا اختفت فكرة الصهيونية كاستعمار استيطاني من الخطاب السياسي والأكاديمي. لكنها عادت عندما اتفق العلماء في أجزاء أخرى من العالم، وأبرزها جنوب أفريقيا وأستراليا وأمريكا الشمالية، على أن الصهيونية ظاهرة مشابهة لحركة الأوروبيين الذين استوطنوا الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا. وتساعدنا هذه الفكرة على فهم طبيعة المشروع الصهيوني في فلسطين بشكل أفضل بكثير، وتعطينا فكرة عما يمكن توقعه في المستقبل.
ويشير مقال لبابيه على موقع جلوبال ريسيرش، إلى أن هذه الفكرة -التي ترسخت في التسعينيات، وربطت بشكل واضح تصرفات المستوطنين الأوروبيين خاصة في أمريكا الشمالية وأستراليا، مع تصرفات المستوطنين الذين جاءوا إلى فلسطين أواخر القرن التاسع عشر -أوضحت بجلاء نوايا المستوطنين اليهود الذين استعمروا فلسطين وطبيعة المقاومة الفلسطينية المحلية لهذا الاستعمار. اتبع المستوطنون منطق الحركات الاستعمارية الاستيطانية، وهو أنه لإنشاء مجتمع استعماري استيطاني ناجح خارج أوروبا، عليك بالقضاء على السكان الأصليين. وهذا يعني أن مقاومة هذا المنطق كانت صراعاً ضد الإقصاء، وليس التحرير فقط. وهذا أمر مهم عندما نفكر في عمليات حماس وغيرها من عمليات المقاومة الفلسطينية منذ عام 1948.
كان المستوطنون أنفسهم، بالنسبة للأوروبيين الذين أتوا إلى أمريكا الشمالية أو أمريكا الوسطى أو أستراليا، لاجئين وضحايا للاضطهاد، يبحثون فقط عن حياة وفرص أفضل. لكن معظمهم كانوا منبوذين في أوروبا ويتطلعون لإنشاء أوروبا جديدة في مكان آخر، بدلاً من أوروبا التي لفظتهم. واختاروا مكانًا يعيش فيه آخرون بالفعل، هم السكان الأصليون. وبالتالي قدم قادتهم ومنظروهم المبررات الدينية والثقافية للاستيلاء على أرض الآخرين، مع ضرورة الاعتماد على إمبراطورية قائمة لبدء الاستعمار والحفاظ عليه، حتى لو تمرد المستوطنون على تلك الإمبراطورية التي ساعدتهم وطالبوا بالاستقلال وحققوه. وبعد أن يتحقق لهم ذلك يجددون تحالفهم مع الإمبراطورية. والعلاقة الأنجلو-صهيونية التي تحولت إلى تحالف أنجلو-إسرائيلي خير مثال.
وفكرة إزالة الشعب صاحب الأرض التي تريد الاستيلاء عليها بالقوة، تم تغذيتها بالتجريد المشترك من الإنسانية للشعوب الأخرى غير الغربية وغير الأوروبية. فلو قمت بتجريد الأشخاص من إنسانيتهم، لأمكنك إبادتهم بسهولة أكبر.
واليوم في غزة يقضون على السكان الأصليين أمام أعيننا، فكيف مر 75 عامًا من محاولة إخفاء سياساتهم الإقصائية؟
في المراحل الأولى للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، نفذ قادته سياساتهم في الإبادة عبر الادعاء بأنه يمكن إقامة ديمقراطية، مع القضاء على السكان الأصليين. وافترض هؤلاء القادة أن السياسات الإقصائية لن تستبعد إسرائيل من الانتماء للعالم المتحضر.
لذلك، تم توصيف الإجراءات التطهيرية ضد الفلسطينيين بأنها مجرد “انتقام” أو “رد” على الأعمال “الإرهابية” الفلسطينية. وعند الانتقال لإجراءات أكثر خطورة للتصفية، تخلت قيادات الكيان الصهيوني عن الذريعة الزائفة المتمثلة في “الانتقام” وتوقفت عن تبرير ممارساتها.
هناك علاقة بين الطريقة التي تطور بها التطهير العرقي عام 1948 والعمليات الإسرائيلية في غزة اليوم، ففي 1948، بررت القيادة لنفسها كل مذبحة ارتكبتها، ومنها مذبحة دير ياسين المشينة في 9 أبريل، كرد فعل على قيام بعض الفلسطينين، بإلقاء الحجارة على حافلة أو مهاجمة مستوطنة يهودية، لكن كان يتعين تقديم رد الفعل محليًا وخارجيًا كدفاع عن النفس. ونظرًا لأن المشروع الصهيوني استعماري استيطاني، فلا يمكنه الاعتماد دومًا على “الانتقام”.
بدأت القوات الصهيونية التطهير العرقي خلال النكبة في فبراير 1948، تحت دعوى الانتقام من المعارضة الفلسطينية لخطة التقسيم التي أصدرتها الأمم المتحدة في نوفمبر 1947. وفي مارس، توقف الحديث عن الانتقام، وتم تبني خطة للتطهير العرقي. ومن مارس 1948 وحتى نهاية العام نفسه، جرت عمليات التطهير العرقي، وتم طرد نصف سكان فلسطين، وتدمير نصف قراها، ونزع التعريب عن معظم مدنها، في عملية منهجية وممنهجة. وهي الخطة الرئيسية للتطهير العرقي.
واليوم نشهد نمطا مماثلًا. في البداية، تم تقديم هذه الإجراءات بأنها رد انتقامي على عملية طوفان الأقصى، ولكن الحرب الحالية تهدف للسيطرة الإسرائيلية المباشرة على غزة، ولكن مع التطهير العرقي لشعبها في حملة إبادة جماعية.
والواضح تاريخيا وأيديولوجيا أن السابع من أكتوبر يستخدم كذريعة لاستكمال ما عجزت الحركة الصهيونية عن إنجازه عام 1948.
ويقول بابيه في مقالة على موقع جلوبال ريسيرش: في 1948، “استخدمت الحركة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية بعض الظروف التاريخية التي كتبت عنها بالتفصيل في كتابي “التطهير العرقي في فلسطين”، لطرد نصف السكان. ودمروا في هذه العملية نصف القرى الفلسطينية، وهدموا معظم المدن، ولكن بقي نصف الفلسطينيين داخل بلادهم. وواصل الفلسطينيون الذين أصبحوا لاجئين خارج حدود بلادهم المقاومة، فلم يتحقق الهدف الاستعماري الاستيطاني للقضاء على السكان الأصليين، واستخدمت إسرائيل كل قوتها من 1948 حتى اليوم لمواصلة القضاء على السكان الأصليين.”
لكن يجب أن يكون هناك مبرر للتصفية ، حيث يمكن احتلال مكان ما، أو ارتكاب مذبحة ضد الناس أو طردهم. والطريقة المثلى لذلك هي تجريد الفلسطينين من إنسانيتهم وإلصاق تهمة الإرهاب بهم لإبادتهم. لا يمكنك قتل أو إبادة آخرين إلا بتجريدهم من إنسانيتهم. وبالتالي فهذه رسالة صريحة وضمنية يتم نقلها لليهود الإسرائيليين من خلال نظامهم التعليمي ونظام تنشئتهم الاجتماعية في الجيش ووسائل الإعلام والخطاب السياسي. يجب نقل هذه الرسالة والحفاظ عليها لإكمال عملية الإبادة.
لذلك نحن نشهد محاولة قاسية جديدة لاستكمال عملية الإبادة. ومن المفارقات أن هذا التدمير اللاإنساني لغزة يكشف فشل المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. “قد يبدو هذا سخيفًا، لأنني أصف صراعًا بين حركة مقاومة صغيرة، وحركة التحرير الفلسطينية، ودولة قوية ذات آلة عسكرية وبنية تحتية أيديولوجية تركز على تدمير السكان الفلسطينيين. ليس لحركة التحرير هذه تحالف قوي خلفها، في حين أن الكيان الذيي تواجهه يتمتع بتحالفات قوية -من الولايات المتحدة إلى الشركات المتعددة الجنسيات، وشركات أمن الصناعة العسكرية، ووسائل الإعلام الرئيسية والأوساط الأكاديمية الرئيسية -نحن نتحدث عن شيء ما يبدو ميئوسًا منه ومحبطًا لأننا أمام حصانة دولية ضد سياسات الإبادة منذ المراحل الأولى للصهيونية وحتى اليوم. ربما كان ما يجري هو الفصل الأسوأ من المحاولة الإسرائيلية لدفع سياسات التصفية إلى مستوى جديد أكثر تركيزًا لقتل آلاف الأشخاص في فترة قصيرة من الزمن، كما لم يجرؤوا على القيام بذلك من قبل.
فكيف يمكن أن تكون أيضًا لحظة أمل؟ هذا الكيان الاستيطاني، الذي يستمر في تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم لتبرير القضاء عليهم، يبدو هشًّا للغاية إذا نظرنا للمستقبل البعيد.
هذا الضعف الهيكلي كان واضحًا قبل 7 أكتوبر، وجزء من هذا الضعف أنه في حالة إلغاء مشروع الإبادة، فلن يكون هناك سوى القليل جدًا الذي يوحد مجموعة الأشخاص الذين يعرفون أنفسهم على أنهم الأمة اليهودية في إسرائيل.
إذا استثنينا ضرورة قتال الفلسطينيين والقضاء عليهم، يتبقى أمامنا معسكران يهوديان متحاربان، رأيناهما يتقاتلان فعليًا في شوارع تل أبيب والقدس حتى 6 أكتوبر 2023. مظاهرات ضخمة بين اليهود العلمانيين –ومعظمهم من أصل أوروبي –يعتقدون أنه يمكن إنشاء دولة ديمقراطية تعددية مع الحفاظ على الاحتلال والفصل العنصري تجاه الفلسطينيين، وكانوا يواجهون نوعًا جديدًا من الصهيونية المسيحانية التي تطورت في المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية، ما أسميته في مكان آخر دولة يهودا، التي ظهرت فجأة، معتقدين أن لديهم الآن طريقة لخلق نوع من الثيوقراطية الصهيونية دون أي اعتبار للديمقراطية، ومؤمنين أن هذه هي الرؤية الوحيدة للدولة اليهودية المستقبلية .
لا يوجد شيء مشترك بين هاتين الرؤيتين سوى شيء واحد: كلا المعسكرين لا يعيران اهتمامًا بالفلسطينيين، ويعتقدان أن بقاء إسرائيل مرهون باستمرار سياسات التصفية تجاه الفلسطينيين. لكنها رؤية وهمية. سوف يتفكك هذا الأمر وينفجر من الداخل لأنه لا يمكنك في القرن الحادي والعشرين أن تحافظ على تماسك دولة ومجتمع على أساس أن شعورهما المشترك بالانتماء ليس سوى جزء من مشروع إبادة جماعية. يمكن أن يصلح هذا مع البعض، لكنه لا يصلح مع الجميع.
لقد رأينا المؤشرات لذلك قبل 7 أكتوبر، كيف يفكر الإسرائيليون -الذين لديهم فرص في أجزاء أخرى من العالم بسبب جنسيتهم المزدوجة ومهنهم وقدراتهم المالية -جديًا في نقل أموالهم وأنفسهم خارج إسرائيل. ما سيتبقى بعد ذلك هو مجتمع ضعيف اقتصاديًا، يقوده الاندماج بين الصهيونية المسيحية والعنصرية والسياسات الإقصائية تجاه الفلسطينيين. نعم ميزان القوى قد يكون في جانب الإبادة، وليس مع ضحاياها، لكن ميزان القوى ليس محليا فقط، إنه إقليمي ودولي، وكلما كانت سياسات الإبادة أكثر قمعاً كلما قلّت القدرة على التستر عليها باعتبارها “ردًا” أو “انتقامًا” وزاد النظر إليها على أنها سياسة إبادة جماعية وحشية. وبالتالي، فمن غير المرجح أن تستمر الحصانة، التي تتمتع بها إسرائيل اليوم، في المستقبل.
لذا، أعتقد حقًا أن ما نشهده في هذه اللحظة المظلمة للغاية –وهي لحظة مظلمة لأن تصفية الفلسطينيين قد انتقلت إلى مستوى جديد -هو أمر غير مسبوق. فيما يتعلق بالخطاب الذي تستخدمه إسرائيل، وكثافة وهدف سياسات التصفية. لم تكن هناك فترة كهذه في التاريخ، فهذه مرحلة جديدة من الوحشية ضد الفلسطينيين. وحتى النكبة التي كانت كارثة لا يمكن تصورها، لا تقارن بما نراه الآن وما سنراه في الأشهر القليلة المقبلة.
ولكن، حتى في هذه اللحظة المظلمة، يجب أن نفهم أن المشاريع الاستعمارية الاستيطانية التي تتفكك تستخدم دائمًا أسوأ أنواع الوسائل لمحاولة إنقاذ مشروعها. حدث هذا في جنوب أفريقيا وجنوب فيتنام. “لا أقول هذا من باب التمني، ولا أقوله كناشط سياسي: بل كباحث في شؤون إسرائيل وفلسطين بكل ثقة بمؤهلاتي العلمية. ومن خلال الفحص المهني الرصين أقول إننا نشهد نهاية المشروع الصهيوني، لا شك في ذلك.










