حين يصبح الإبن جاحدا لمن صنعوا منه إنسانا.. وحين تتحول الأم والأب من مصدر للأمان إلى ضحية للعنف والإهانة يكون البناء الأخلاقى للمجتمع فى مهب الريح.
هناك جرائم لا تحتاج إلى دماء حتى تكون بشعة، ولا تحتاج إلى سلاح حتى تترك جرحا لا يندمل.. ومن أقسى هذه الجرائم أن يمد الأب يده إلى ابنه بالعطاء طوال سنوات عمره، فيرد الإبن الجميل بالجحود، وأن تسهر الأم على راحة أبنائها، ثم يأتي اليوم الذي تجد فيه نفسها مطرودة من بيتها أو مهددة أو حتى معتدى عليها ممن حملته في رحمها وربته وأطعمته وسهرت على راحته.
إنه الوجه القبيح لعقوق الوالدين الذي بدأت تظهر له صور صادمة ومؤلمة في مجتمعنا.. صور لا ينبغي أن تمر علينا باعتبارها مجرد خلافات عائلية، لأن بعضها تجاوز الخلاف إلى الإهانة والعنف والاستغلال والتنكر لأبسط قواعد الإنسانية.
ويجب أن نتحرك جميعا لإدانة هذه الجرائم وأن نمنعها بكل ما نستطيع من وسائل وأن نستنكرها وأبسط صور الاستنكار هو الاستنكار بالقلب واللسان.
الإبن الذى يرد على العطاء الغزير لوالده بالحجر عليه هو ابن مجرم وليس مجرد إبن عاق.. ومثل هذا الولد العاق يجب أن يلفظه المجتمع ويشعره بأنه عنصر شاذ وغير مرغوب فيه.
الأب الذى أنجب وربى وعلم وأنفق بسخاء وأعطى اولاده المال، وعلمهم أفضل تعليم، وصنع لهم مكانة اجتماعية، وقدم لهم من خبرته وسمعته ما جعلهم قادرين على أن يبدأوا حياتهم من موقع لم يكن ليصلوا إليه وحدهم.
هذا الأب يجب أن يحمل فوق الرؤوس ويسكن القلوب ويكرم كل يوم حتى يرحل عن الحياه عزيزا كريما.. والابن الذى يفكر أن يحجر على تصرفات والده العاقل الرشيد هو إبن خسيس وعاق ومجرم.
أي عنف وقسوة أكثر قسوة من هذه؟
الأب الذي كان يوما مصدر قوة الابن يصبح في نظره شخصا ينبغي السيطرة على أمواله والتصرف في شئونه، وكأن سنوات العطاء لم تكن موجودة، وكأن الأب لم يكن هو الذي صنع للابن المكانة التي يتفاخر بها اليوم.
قد تكون هناك حالات يكون فيها الحجر إجراء قانونيا له مبرراته لحماية شخص فاقد الأهلية أو غير قادر على إدارة أمواله، وهذه مسألة لا يجوز التعميم فيها.
لكن حين يتحول الأمر إلى وسيلة للاستيلاء على أموال الأب أو التحكم فيه أو إقصائه وإذلاله، فنحن أمام صورة شديدة القسوة من إيجارا ولا يتحمل أعباء المعيشة، ثم ينقلب علىصور الجحود.
أيضا.. من أبشع صور العقوق أن يعيش إبن من خير أمه.. ثم يضربها ويطردها كما شاهدنا منذ أيام
وصورة أخرى أشد إيلاما: ابن يعيش في بيت أمه، وينعم بخيرها، فهى الأم التي وفرت له المأوى، فيرفع صوته عليها، ويهينها، ويعتدي عليها بالضرب، ثم يطردها من منزلها المتواضع.
أي قلب يستطيع أن يفعل ذلك؟
وأي إنسان يمكن أن يمد يده إلى أمه التى حملته في بطنها تسعة أشهر، ثم سهرت عليه سنوات طويلة، ثم يجد في نفسه القسوة التي تجعله يضربها ويطردها؟
إنها ليست مجرد مشكلة أسرية.. إنها سقوط أخلاقي وإنساني.
بالطبع صور العقوق كثيرة ومتنوعة ولا تنحصر فى هذه الحالات او النماذج وحدها مما يتضمنه ملف العقوق فى حياتنا الاجتماعية.. فالإبن الذى يهجر أباه المريض ولا يسأل عنه، رغم أن الأب أفنى عمره في تربيته.. هو إبن عاق ومجرم فى نظر الدين والأخلاق.
الابن الذى يترك أمه العجوز وحيدة، بينما ينفق ببذخ على نفسه وزوجته وأولاده وأصدقائه.. والأبناء الذين يتنازعون على رعاية والديهم فى مرضهما قبل رحيلهما هم أبناء إثمون شرعا وسوف يحاسبهم الله على ذلك فى الدنيا والآخرة.
الأبناء الذين يستعجلون موت الأب أو الأم طمعا في المال والعقار.
والأبناء الذين يستولون على أموال آبائهم أو معاشاتهم، ثم يتركونهم يبحثون عن ثمن الدواء.
والأبناء الذين يتعاملون مع والديهم بمنطق المنفعة: ما دام الأب قادرا على العطاء فهو “أبي”، فإذا انتهى المال أصبح عبئا ينبغي التخلص منه.. بل إن بعض الأبناء لا يكتفون بإهمال الوالدين، وإنما يحولون حياتهما إلى جحيم يومي بالصراخ والإهانة والتهديد والعنف النفسي والجسدي.
وهنا يجب أن نتوقف لأن المجتمع الذي يصل فيه الأمر إلى أن يخاف الأب من ابنه، أو تخشى الأم من يد ابنها، يحتاج إلى أن يراجع منظومة القيم التي تحكم علاقاته الأسرية.
بالتأكيد.. العقوبات القانونية لكل من يتورط فى جرائم العقوق مهمة، فالله سبحانه وتعالى (يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) لكن لا ينبغى أن نيأس من عدم تأثير محاولات إحياء الضمائر لدى الأبناء.
على العلماء والدعاة ألا يملوا من التذكير بحقوق الآباء وضرورة برهم للنجاة من عذاب الخالق، وهو عذاب مؤكد تدعمه الأدلة والنصوص الشرعية الثابتة فى كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه.
لا يكفى أن يذكر العلماء والدعاة كل الأبناء بالأمر الإلهى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بل عليهم أن يوضحوا لهم النهى الإلهى الحاسم بعدم إغضابهما- مجرد الإغضاب: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
على الأبناء أن يتأملوا التعبير القرآني: “فلا تقل لهما أف”.
فإذا كان الإسلام ينهى عن مجرد كلمة تضيق بها نفس الوالدين، فكيف بمن يصرخ في وجههما؟ وكيف بمن يهينهما؟ وكيف بمن يضربهما؟ وكيف بمن يطردهما من بيتهما؟ وكيف بمن يسلب مالهما أو يتعمد إذلالهما؟
علي علمائنا ودعاتنا الأفاضل أن أن يذكروا أولادنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن أحب الأعمال إلى الله، فقال:” ذكر الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين”.
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: “رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه”، فقيل: من يا رسول الله؟ قال: “من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة”.
أي فرصة أعظم من أن يعيش الابن يخدم والديه حتى يلقيا ربهما.
b_halawany@hotmail.com










