إعلاميًّا، وبعيدًا عن السياسة وفِعلها ومَكرها، ومن مواقف أمريكا وقادة أوروبا الداعمة، دون حدٍّ، سياسيًّا وعسكريًّا وإعلاميّا لإسرائيل؛ نخلص إلى أننا ربما في أزمةٍ إعلاميةٍ في إيصال القضية الفلسطينية إلى شعوب أوروبا وأمريكا على نحوٍ يُحدث فارقًا نوعيًا على الأرض في سياساتِ وقرارتِ حكوماتهم تجاهها، وهو ما تَبْرع فيه أبدًا إسرائيل، كذبًا وادّعاءً، وعبر آليةٍ إعلاميةٍ هائلةٍ تتحكّم فيها. كما لا يتردّد قادتُها -وفي مؤتمراتٍ رسميةٍ وبثٍّ مباشر- من عرض صورٍ، أو حتى مقاطع فيديو على قادة العالم بأيّة وسيلةٍ ممكنةٍ ومتاحةٍ (جوال أو بروجكت أو حتى صور ورقية)، وفي أي محفلٍ كان، في مجلس الأمن، أو حتى في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة أو غيرهما. كان ذلك جليًّا في حديث بايدن عقب أحداث السابع من أكتوبر مباشرة، وتحديدًا في يوم (11)، إذ استدعى من الذاكرة لقاءً جمعه بجولدا مائير إبّان حرب (73) في مكتبها، وكان سيناتورًا وقتها، وكيف أنها أطلعته حينها على صورٍ لفظائع لحقت باليهود. وفي اليوم التالي على حديث بادين هذا، وفي اللقاء الصحفي الذي جمع بين نتنياهو وبلينكن، والذي أكد فيه بدايةً أنه قَدِم إلى إسرائيل كيهوديٍّ، فرّ جَدُّه من القتل وزوج أمه من الاضطهاد، قبل أن يكون وزيرًا للخارجية. إذ كان اللقاء كلّه ما بين قصصٍ اختلقها نتنياهو لفظائع يدّعيها اُرتُكِبت بحق اليهود، وبين تصديقٍ من بلينكن اليهودي، ولصورٍ كذلك رآها بعينيه، ثم لم ينسَ نتنياهو فيه الفخر بأخلاق اليهود.
وعندما تستمع لأحد قادة أوروبا، وهو يعلن دعم بلاده اللامحدود لإسرائيل، تجده يتحدث فقط عن الفظائع التي شاهدها، وتُرتكب في حقّ إسرائيل؛ لنكون أمام مشكلةٍ حقيقيةٍ في نقل صور القضية الفلسطينية للشعوب الغربية، وللشعب الأمريكي، ومشاهد المجازر التي يرتكبها الصهاينة بحق شعبٍ أعزل، وقتلٍ للأطفال والشيوخ والنساء، وتجويعهم، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي منذ عقود. وأن ما يقوم به بعضُ أبناء الشعب الفلسطيني من حينٍ لآخر إنما هو ردةُ فعلٍ طبيعية إزاء تلك الفظائع، وحق مشروع وقانوني كفله لهم القانون الدولي مثلما كفله تمامًا لشعب أوكرانيا في كفاحهم ضد روسيا، ويفتحون لهم في سبيله خزائن أموالهم وعتادهم، وقنوات إعلامهم دون أن يملّوا ذلك، ولا يحيدون عنه طرفة عين. فكفاحُ الفلسطينيين في استرداد أرضهم يشبه كفاح الأوكرانيين في استرداد أرضهم من الروس لا كما تصوره إسرائيل وتلحّ عليه، ويصوره زيلينسكي بأنه يشبه اعتداء الروس على الأوكرانيين.
حديثُ الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج واحدٌ، ومشاعرهم كذلك، لكنه في النهاية من باب حديث النفس إلى النفس لا أثر له سوى الإبقاء على القضية متقدةً في النفوس، جيلًا بعد جيل، وهو حسنٌ لا شك، لكن لا بدّ من مخاطبة الغرب صوتًا وصورًا ومقاطع، ومحاصرتهم بذلك في كل محفلٍ ومناسبة، وبكل وسيلةٍ ممكنةٍ، بل استجداء مشاعرهم وتعاطفهم على نحو ما تفعله آنيًا دون مللٍ منها، ومدة عهدها إسرائيل. وحسنًا، نلمح آثارًا إيجابية في ذلك لكن أملنا الضغط دون كللٍ لتغيير هذا الواقع المظلم، حتى تنتزع فلسطين كامل حقوقها، وما ضاع حقٌّ وراءه مطالبٌ.
مجدي أبو الخير …










