الارتفاع الكبير في معدلات التضخم العالمي والمحلي. ومع تسليمنا الكامل بأن مشكلة التضخم ترجع بالأساس إلى أسباب هيكلية في بنية الاقتصادات القومية للمنطقة، فإن الموجة الحالية تعود بالأساس إلى التضخم المستورد؛ وذلك بسبب تراجع الإنتاج وانخفاض إنتاجية العديد من القطاعات.
الأمر الذي أدى إلى تزايد الحاجة للاستيراد لتغطية الاستهلاك المحلي، خاصة من المواد الغذائية ومستلزمات الإنتاج مما ينعكس بدوره على المستوى العام للأسعار، بعد الارتفاع الكبير في أسعار المنتجات الغذائية وعلى رأسها القمح الذي تعتمد عليه دول المنطقة بصورة كبيرة في ضوء انخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الزراعية؛ حيث تصل إلى 37 % من الحبوب والقمح، وفي السكر إلى 45 %، وفي الزيوت إلى 51 % حتى أصبحت أكبر مستورد للسلع الغذائية حجمًا وقيمة على الصعيد العالمي. تُعرَّف السياسات العامة بأنها مجموعة من القرارات التي تتخذها الحكومات وعبرها تُعبر عن توجهاتها وأهدافها في التعامل مع القضايا المختلفة التي تواجه المجتمعات. تتضمن هذه السياسات مجموعة من الإجراءات والتوجيهات التي تهدف إلى معالجة المشكلات العامة وتلبية احتياجات المواطنين. فهي تمثل الإطار الذي يحدد كيفية تنظيم وتوجيه العلاقات بين الحكومة والمواطنين.
وبالتالي فإن ارتفاع معدلات التضخم ستنعكس بآثارها السلبية على القطاعات الأكثر فقرًا بالمنطقة، مما يؤدي إلى تفاقم أوجه عدم المساواة الحالية، وارتفاع عدد الفقراء. كما يسهم في زيادة أسعار الفائدة مما يقوض من سياسات التعافي الحالية، ويؤدي إلى ارتفاع مستويات الدين العام، مما ينذر بمخاطر وتحديات عديدة أهمها صعوبة الحفاظ على الاستدامة المالية والاستقرار المالي أو الاستثمار في المستقبل. وكلها أمور تدفعنا للعمل على تدارك الآثار السلبية لها عبر آليات محددة.
تعاني مصر من أزمة اقتصادية مستمرة، تظهر آثارها في مظاهر عديدة، وتؤثر على الوضع المعيشي للمواطن المصري، الذي يُعاني من ارتفاع معدلات التضخم، وانهيار قيمة العملة الوطنية، ونقص في الخدمات التي يجب أن تقدمها له الدولة، وآخرها الكهرباء.
وتتأرجح هذه الأزمة صعودًا وهبوطًا، دون حل يلوح في المدى القريب، لأسباب عديدة، سياسية واقتصادية ومجتمعية، ترتبط بوضع النظام الحاكم وطريقته في الحكم وكيفية إدارته للملف الاقتصادي، وأوضاع أطراف أخرى، منها المعارضة، والشعب، والقوى الإقليمية والدولية المتداخلة في الشأن المصري والداعمة للنظام الحالي.
تلقي الأزمة الاقتصادية بظلالها على المواطن المصري، الذي يعاني من زيادة التضخم، والبطالة، وارتفاع معدلات الفقر، الأمر الذي يؤثر على ظروفه المعيشية بالسلب، ويظهر في عدم قدرته على توفير الاحتياجات الأساسية، من مأكل ومشرب وملبس وعلاج، ومعاناته في توفير قيمة الخدمات اليومية الضرورية، مثل المواصلات، والموسمية، مثل الدراسة. وقد أفرزت الأزمة مظاهر اجتماعية تهدد سلامة المجتمع المصري، مثل تآكل الطبقة المتوسطة، وارتفاع معدلات الجريمة المرتبطة بالفقر، مثل السرقة والنصب والقتل، وتزايد حالات الانتحار، وكثرة حالات الطلاق التي تؤدي لانهيار الأسرة المصرية. غير أن ظاهرة جديدة بدأت تنتشر في أوساط المصريّين بسبب الأزمة الاقتصادية، وهي ظاهرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خاصَّة تطبيق “تيك توك”، في التسوُّل من مواطني دول الخليج، أو في الابتذال الأخلاقي الذي يصل إلى حد ارتكاب بعض النساء والفتيات جرائم تندرج تحت مسمى “الدعارة الإلكترونية”. وكعادة الشعب المصري مع كل موجة مرتفعة من موجات الأزمة الاقتصادية، تزيد معدلات التعبير عن السخط، وتظهر ردود الأفعال من خلال وسائل التواصل الاجتماعي،
ولما كانت الحاجة ماسة لتداول هذه الأصول، ظهرت مؤسسات كالبورصة، يتم تداول هذه الأصول فيها، وظهر وسيط مالي يمكن ن يمول الأفراد عند الحاجة موالا مقابل فائدة، ومن هنا ظهرت البنوك. وبعد ظهور البنوك والبورصات لعبت هذه المؤسسات دورا مهما في زيادة حجم الأصول المالية وزيادة حجم التعامل بها، وانتقلت الأزمة من القطا المالي والمصرفي إلي الاقتصاد الحقيقي والعيني.
وبناء على ما تقدم فالأزمة الاقتصادية تحدث عند عدم كفاية عوامل الإنتاج في الاقتصاد العيني الحقيقي عن الوفاء بالالتزامات المطلوبة في السوق؛ الندرة الحاجات وقلتها بسبب حدوث كارثة طبيعية كفيضان، و قحط، وبالتالي يحدث خل بين العرض والطلب، فتوجد عندئذ الأزمة الاقتصادية2، وتزيد مخاطر قيام المؤسسات بتنفيذ المشروعات.
ما الأزمة المالية فيكون مصدرها المؤسسات المالية، عندما تقوم بعي المؤسسات في الإسراف في إصدار سهم بقيم مالية تزيد ع القيمة الحقيقة ل صول التي يمتلكها الاقتصاد الحقيقي وحجم مديونياتها عند الغير مما يؤدي إلى تضخم الاقتصاد المالي والفصل بينه وبين الاقتصاد الحقيقي.1 بل إن هناك عددا من البنوك في بعي الدول قبل الأزمة المالية العالمية لسنة ۲۰۰۸م قد توسعت في حجم الإقراض لأكثر من ستين ضعفا من حجم رؤوس موالها، كبنك ) ( بالولايات المتحدة الأمريكية، مما سار بدخول اقتصاديات تلك الدول في زمة مالية حادة.
تعد الأزمات الاقتصادية من الظواهر المعقدة التي تؤثر بشكل عميق على المجتمعات بمختلف جوانبها. تحدث الأزمات الاقتصادية نتيجة لعوامل متعددة مثل الانكماش الاقتصادي، التضخم، الكوارث الطبيعية، الأزمات السياسية، والأوبئة. تؤدي هذه الأزمات إلى تغييرات كبيرة في الحياة اليومية للأفراد، الشركات، والدول على حد سواء.
في مواجهة الأزمات الاقتصادية، يصبح من الضروري البحث عن حلول فعالة تساعد في التخفيف من آثارها السلبية. يعد برنامج الفاتورة الإلكترونية أحد هذه الحلول التي يمكن أن تساعد في تحسين الكفاءة المالية والإدارية، وتقليل التكاليف، وتعزيز الشفافية والامتثال القانوني. من خلال تبني هذا النظام، يمكن للشركات والحكومات تحقيق استدامة أكبر وتحسين القدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية المستمرة. تشير البيانات إلى أن الرضا عن الحياة في معظم البلدان النامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل الربيع العربي، كان أقل من المستوى المتوسط في البلدان ذات مستويات التنمية المماثلة. وبفحص أعمق للبيانات،
نجد أن هذا المستوى المنخفض من الرضا عن الحياة في معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تراجع بنحو ملحوظ خلال السنوات التي تلتها بداية الربيع العربي، وعموماً لقد كان مستوى اللامساواة في الرفاهية مرتفعاً نسبياً. في الواقع، كانت مستويات اللامساواة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المرتبة الثانية بعد أمريكا اللاتينية وجزر منطقة البحر الكاريبي (في ترتيب المناطق من حيث اللامساواة في الرعاية الاجتماعية) قبل الربيع العربي. وكان هذا في حال أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث اللامساواة النقدية البحتة، فلم يكونا في وضع سيئ جداً، وكانت مستويات اللامساواة النقدية منخفضة في هذه المنطقة.
تخلق ظاهرة متلازمة التنمية غير المرغوب فيها خلال مدة الانتقال من التنمية بسرعة معتدلة إلى التنمية السريعة مفارقة في الأذهان. وهي الحالة التي أطلقوا عليها عنوان (مفارقة التنمية غير المرغوب فيها) .(unhappy development paradox)، وإن مفارقة التنمية غير المرغوب فيهاتشير إلى مفارقة النمو التي لا تؤدي إلى زيادة مستويات السعادة.
فيما يخصّ المجال الاقتصادي، يجب أن تؤدي الحكومة دوراً داعماً في توفير الظروف المناسبة لمستثمري القطاع الخاص، ولا تقوم بأي حال من الأحوال بأداء دور المتنافس للقطاع الخاص في ساحات النشاط الاقتصادي.
وتُظهر الدراسات التجريبية أن جميع البلدان في هذا المجال مستعدة لتکون عرضة للاضطرابات المدنية، وقد يختلف حدوث هذه الاضطرابات وشدتها باختلاف البلدان في المنطقة. ولمنع حدوث هذا الأمر، يجب تعزيز المؤسسات الحكومیةوینبغي أن تعمل هذه المؤسسات بنحو صحيح وفي إطار توفیر إمکانیة المشاركة الكاملة لجميع المواطنين، بغض النظر عن الاستقطاب العرقي والإثني والديني.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










