في أوج لحظة ارتباك إقليمي حين حاولت إسرائيل أن تفرض منطق القوة وتبيع للعالم أوهامها القديمة عن إسرائيل الكبرى جاءت القمة المصرية – السعودية لتعيد ترتيب المشهد وتضع حدودا فاصلة بين الحق والوهم ، بين الشرعية والعبث بين ثبات الموقف العربي وبين محاولات تل أبيب لخلط الأوراق وإعادة المنطقة إلى المربع الأول من الصراع.
لقد ظنت إسرائيل وهي تحاول إعادة احتلال غزة وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية ، أن العالم منشغل عنها وأن الزمن كفيل بطمس معالم القضية الفلسطينية. غير أن الواقع كان أبعد ما يكون عن تصوراتها. فالقمة التي جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لم تكن مجرد لقاء ثنائي بل رسالة صريحة للعالم أجمع: لا تهجير للفلسطينيين ولا بديل عن الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
هذا الموقف لا ينطلق فقط من ثوابت تاريخية بل من قراءة واعية لحاضر مضطرب ومستقبل محفوف بالمخاطر. إسرائيل اليوم ليست تلك الدولة التي تحاول إقناع نفسها بأنها قادرة على فرض أمنها عبر الاحتلال. بل هي كيان مأزوم داخليا ممزق سياسيا يواجه ضغوطا دولية غير مسبوقة ويقف عاجزا أمام صمود شعب أعزل في غزة والضفة.
المفارقة أن تل أبيب اختارت أن ترد على المؤتمر الدولي في نيويورك – الذي قادته السعودية وفرنسا لدعم حل الدولتين – بتصعيد استيطاني وتلويح بالاحتلال الكامل لغزة. لكنها لم تدرك أن هذه السياسات لن تؤدي إلا إلى مزيد من عزلتها. فبينما تتسع دائرة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين (فرنسا، بريطانيا، أستراليا ودول أخرى)، تصر إسرائيل على الهروب إلى الأمام متجاهلة حقيقة أن العالم لم يعد يقبل روايتها القديمة وأن الشعوب باتت أكثر وعيا بحقيقة مشروعها الاستعماري.
القمة المصرية – السعودية جاءت لتؤكد أن العرب مهما اختلفت أجنداتهم لا يمكن أن يسمحوا بتمرير مخططات تهجير الفلسطينيين تحت أي غطاء سواء كان “الهجرة الطوعية” أو غيرها من الشعارات المضللة. هذه الرسالة وحدها كفيلة بكسر أحلام من يظنون أن بإمكانهم إفراغ الأرض من أهلها وإعادة رسم الخرائط بما يخدم أيديولوجيات دينية متطرفة.
وإذا كانت إسرائيل تحاول الإيحاء بأنها قادرة على إعادة صياغة التوازنات الإقليمية فإن الحقيقة أن التطورات الدولية تدفعها إلى الهامش أكثر فأكثر. فالعالم اليوم يتغير بسرعة ومراكز القوة الجديدة لم تعد ترى في الاحتلال مشروعًا قابلا للاستمرار بل عبئا يعرقل الاستقرار ويهدد مصالح الجميع. ومن هنا.فإن الرهان الإسرائيلي على كسب الوقت أو على صفقات جانبية، هو رهان على وهم تماما كما وصفه الكثير من المحللين الغربيين.
إن ما كشفته القمة الأخيرة هو أن مصر والسعودية تدركان جيدا حجم التحديات. فهما ترفضان أن يُختطف الموقف العربي بين الضغوط الدولية والأوهام الإسرائيلية. هذا الوعي المشترك وهذه القدرة على صياغة موقف صلب لا يخدم القضية الفلسطينية فقط بل يعيد للعالم رسالة واضحة: المنطقة ليست ملعبا فارغا لرهانات إسرائيلية قصيرة النظر.
إسرائيل قد تنجح في إرباك المشهد لبعض الوقت لكنها لا تستطيع أن تعكس اتجاه التاريخ. الشعوب التي قاومت لعقود لن تقبل أن تتحول إلى لاجئين جدد والعالم الذي بدأ يستعيد بوصلته تجاه العدالة لا يمكن أن يسمح بإعادة إنتاج النكبة. وهنا تتجلى أهمية التلاقي المصري – السعودي: فهو ليس مجرد تأكيد سياسي على الثوابت بل إعادة ترسيم للخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.
قد تراهن إسرائيل على خطاب القوة والسلاح لكن التجارب أثبتت أن الاحتلال لا يصنع أمنا وأن الاستيطان لا يخلق شرعية وأن التهجير لا يضمن مستقبلا. على العكس كلما تعمقت هذه السياسات كلما ازداد مأزق إسرائيل داخليا وخارجيا حتى باتت أقرب إلى العزلة مما كانت عليه في أي وقت مضى.
إن القمة المصرية – السعودية لم تكن رد فعل عابرا بل خطوة استراتيجية في لحظة فارقة. لقد وضعت أمام العالم صورة واضحة: العرب قادرون على حماية ثوابتهم وعلى مواجهة الأوهام الإسرائيلية بأرضية صلبة من الشرعية الدولية والتأييد الشعبي. هذه هي الرسالة التي ستبقى أقوى من أي خطاب متطرف وأثبت من أي مشروع استيطاني.
وبينما تواصل إسرائيل التمسك بسرابها يبقى الواقع يقول إن حل الدولتين ليس شعارا بل هو المخرج الوحيد الذي يضمن السلام والاستقرار. وكل محاولة لتجاوزه لن تكون سوى عبث يضاف إلى سجل طويل من الفشل الإسرائيلي. وفي مواجهة هذا العبث تظل مصر والسعودية ومعهما العرب واقفين بثبات: دولة فلسطينية كاملة السيادة.. ولا بديل.










