ترعبني كم التعليقات الوقحة ، واستسهال البذاءة ، حين لايعجب أحدهم ما أكتب ، أو يأتي مُخالفاً لفكره – إن كان عنده فكر – أو يمس تعصبه الأعمي لشخص أو جماعة !!.
وصرنا علي طرفي نقيض حاد لا وجود للوسطية والاعتدال والتأدب والتحاور الراقي بيننا !!.
وكنت أظن أن ذلك قاصر علي الشباب الأهوج أو الطائش ، فإذا به يضرب في نفوس تقوّست ظهورها واشتعل الشيب في رأسها !!.
كما كنت أحسبه قاصراً علي الجَهلة وأنصاف المتعلمين ، فإذا بحملة دكتوراة يبدو أن موضوعها كان في التطاول والتواقح وعدم التربية وقلة الحيا !!.
وكنت أحسبه فقط عند سكان العشوائيات والحرافيش قاطني الأزقة والحواري ، فإذا بمرتادي الساحل الشمالي والقري السياحية في دهب والجونة والتجمع الخامس هم الأكثر وضاعة واستسهالاً للسفالة والبذاءة !!.
والعجيب أن يقوم هذا الوقح بشتمك ، ثم يتهمك بأنك لاتقبل النقد ، وكأن سب الأم مثلاً يُعد في نظر هذا الوضيع نقداً !!!.
فماذا جري لنا ياسادة !!.
ويّلٌ لهذا المجتمع مما وصل إليه ، ويّلٌ له من انفلات عِقاله وإطلاق لسانه علي بعضه بالشتائم واللعن والسب ، بدلاً من التحاور والنقاش الراقي ، ويّلٌ لهذا المجتمع الذي لم يعد يعرف للأخلاق طريقاً فضاعت منه مَعالمها ، فأقم عليه مأتماً وعويلا !!.
مجتمع بات فيه الجاهل يتطاول علي العالم ، والصغير يحتقر الكبير ويستحل عرضه وكرامته ، والفسل يستبيح دم العظيم ويهزأ منه !!.
هذا المجتمع نفسه هو الذي كان مَضرب الأمثال في الرقيّ وحسن الخلق والأدب منذ بضع عقود من الزمن !!.
تعالوا نري :
أليس هو نفس المجتمع الذي كان كل كلامه يمتلئ بالصوّر البلاغية والمُحسنات البديعية من مجاز وتورية واستعارة ، وكان حلوّ الحديث ديدنه وشهد الكلام منطقه ؛ حتى أن الناس كانت تقول على مَن يُحسن ذلك بأن « لسانه بينقط سكر » ، وفى رواية أخرى « لسانه بينقط شهد » ، وحين يستنكرون قولاً بذيئاً يواجهون صاحبه بقولهم له « المَلافظ سَعد » !! .
أليس هو المجتمع الذي كان إذا تحدث عن مريض قال : « فلان بعافيّة شوية » ، وإذا مات لايذكر الموت صراحة ، وإنما يقول : « تعيش إنت » ، أو « سِرّ الإله طلع منه » ، وفى وصفه لمَن يغضب أو يزعل يقول : « فلان واخد على خاطره حبتين » !! .
وعند التقدم لخطبة فتاة فإن العريس « طالب إيدها » وعند الطلاق « حبل النصيب إنقطع » ، كما غالباً ماتسبق النسوّة أسماء أبنائهم بقولهن « إسم النبى حارسه وصاينه » مَخافة القرّ والحسد ، حتى عند الحسد يقولون « دي عين وصابته » !! .
وللتعبير عن إكتمال نضج الفتاة يقولون « خرّاط الصبايا خارطها » !! .
وعند الترحاب بضيف عزيز تراهم يهتفون « زارنا النبى » ، وعند وداعهم لأحبتهم يقولون « خليتكم بعافيه » !! .
وحتي الباعة الجائلين والسريحة كان لهم عالمهم الخاص والمبدع ، فكانوا يسوقون بضاعتهم بالغناء والشدوّ والطرب ؛ فالطماطم هى « خد الجميل » ، والباذنجان « عروس » ، أما البطاطا فهى « كوز العسل » ، حتى الفِجل فهو « الوِروّر » ، والحِلبة « أكلها شفا » ، وإذا أردت الشفا والخمير معاً فعليك « بالعرقسوس » !! .
وهكذا ؛
كان الجمال هو سمت حديث المصريين ، شعب مُبدع ، ذوّاقة ، يعشق الكلمة الحلوّة ، والنكتة الطازجة ، مُحب للحياة ، عاشق لروح الفن !! .
فمن أين جاءته تلك الجليّطة وانعدام الذوق ياتُرى ، وضربه سوس الوقاحة حتي أصبح التواقح أسلوب حياة ، ونمط سلوك ،
لا أدري !!.










