:
لم يكن جمال حمدان مجرد جغرافي بارع أو مفكر موسوعي، بل كان عقلًا استثنائيًا يمتلك قدرة نادرة على قراءة الحاضر بعين المستقبل. كتاباته لم تُكتب لتُقرأ مرة واحدة ثم تُنسى، بل لتظل مفتوحة على الزمن، قابلة للاختبار مع تعاقب الأحداث. واليوم، ومع تسارع التحولات الدولية واحتدام الصراعات، يعود سؤال ملحّ: هل تتحقق الآن نبوءة جمال حمدان عن “بداية النهاية” لأمريكا؟
في مطلع التسعينيات، وفي ذروة الانفراد الأمريكي بالعالم بعد انهيار المعسكر الشرقي، أطلق حمدان طرحًا بدا لكثيرين صادمًا أو سابقًا لأوانه. لم يرَ في القوة الأمريكية المطلقة دليل خلود، بل قرأ فيها علامات إرهاق مبكر. شبّه سلوك القوة العظمى حين تشعر باقتراب أفولها بـ“الحيوان الكاسر الجريح”: أكثر شراسة، أقل عقلانية، وأكثر ميلًا لاستعراض القوة وإشعال الحروب، لا لإعادة النظام، بل لإثبات أنها ما زالت “الفتوة”.
لم تكن هذه رؤية شاعرية أو انفعالية، بل قراءة استراتيجية عميقة لقوانين التاريخ. فالإمبراطوريات، كما رأى حمدان، لا تسقط فجأة، بل تمر بمرحلة إنكار، تتكئ فيها على السلاح بدل الشرعية، وعلى القهر بدل التوافق، وعلى القوة الخشنة بدل الحكمة. ومن هنا تتكاثر الحروب، ويُستباح القانون الدولي، وتُدهس الأعراف، ويُعاد تعريف “العدو” كل مرة بما يخدم استمرار الهيمنة.
وحين نقارن هذا الطرح بما نشهده اليوم، تتبدى ملامح مقلقة: حروب بالوكالة، سباقات تسلح، استعراض للقوة في أكثر من بقعة، ازدواجية فجة في تطبيق القانون الدولي، وتراجع متزايد لفكرة “النظام العالمي القائم على القواعد”. كل ذلك يطرح السؤال دون مواربة: هل نحن أمام مرحلة الإنهاك الإمبراطوري التي تحدث عنها حمدان؟
ليست هذه النبوءة الوحيدة التي أطلقها الرجل وبدت لاحقًا وكأنها تُكتب من قلب المستقبل. فقد كان من أوائل من تنبأوا بزوال الاتحاد السوفيتي وهو في أوج قوته، مستندًا إلى قراءة علمية لبنية الدولة، واختلال التوازن بين الأيديولوجيا والاقتصاد، وبين التوسع الخارجي والتآكل الداخلي. تحققت النبوءة بعد واحد وعشرين عامًا، محدثة زلزالًا جيوسياسيًا أعاد تشكيل العالم.
كما استشرف حمدان تعثر عملية السلام العربية–الإسرائيلية، لا بوصفه فشلًا تكتيكيًا عابرًا، بل نتيجة بنيوية لتعنت إسرائيلي مزمن، ومحاولات متعمدة لتفريغ الحل من مضمونه، إلى جانب هشاشة البيت الفلسطيني وانقسامه. ولم يكن ذلك تشاؤمًا، بل تشخيصًا واقعيًا لمسارٍ لا يمكن أن يفضي إلى سلام عادل دون تغيير جذري في موازين القوة والإرادة.
تكمن أهمية جمال حمدان في أنه لم يكتفِ بوصف الوقائع، بل قدّم مفاتيح لفهمها. علّمنا أن الجغرافيا ليست خرائط صامتة، بل سياسة متحركة، وأن التاريخ ليس ماضيًا منتهيًا، بل طاقة كامنة تُفَعَّل حين تتشابه الشروط. ومن هنا، فإن استدعاء أفكاره اليوم ليس حنينًا إلى مفكر راحل، بل حاجة ملحّة لعقل نقدي يضيء العتمة.
ربما لم تتحقق كل نبوءاته حرفيًا بعد، وربما يختلف البعض حول توقيت “النهاية” أو شكلها، لكن المؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية مضطربة، وأن الأسئلة التي طرحها جمال حمدان قبل عقود تعود اليوم بإلحاح أكبر. وفي زمن الضجيج الإعلامي وسطحية التحليل، يبقى صوته تذكيرًا بأن القوة التي لا تستند إلى عدالة، مصيرها الإنهاك… ولو بعد حين.










