ألف بابٍ للغياب
في كلِّ مرّةٍ أُحاولُ فيها إغلاقَكَ،
تفتحُ في داخلي ألفَ بابٍ آخر،
وتتسرّبُ كأنكَ ظلٌّ لا يُمحى.
لا أنتَ رحلتَ حقًا،
ولا أنا بقيتُ كما كنتُ بعدكَ.
ألمسُ ظلَّك،
فتستيقظُ في جسدي
أماكنُ لم أكن أعلمُ
أنّها تنتظرني.
كان الأمرُ أشبهَ بالدخولِ إلى بيتٍ مهجور.
أظنُّ أنني أعرفُ غرفه كلّها،
ثم أفاجأُ بأبوابٍ لم أرها من قبل.
كلُّ ذكرى منك
كانت مفتاحًا.
وكلُّ مفتاحٍ
كان يفتحُ جزءًا خفيًا من روحي.
أجزاءً عاشتْ سنواتٍ طويلةً في صمت،
ولم تستيقظ
إلّا حين مررتَ بها.
كنتُ أعتقدُ أنني أعرفُ نفسي جيدًا.
لكنّ الحبَّ الذي حمل اسمك
قادني إلى مناطقَ مجهولة.
إلى شرفاتٍ مطلّةٍ على الحنين،
وطرقاتٍ ضيقةٍ من الأسئلة،
وغرفٍ مغلقةٍ
كانت تنتظرُ حضورك
كي تتنفّس.
في باريس،
كانت المدينةُ تبدو مألوفةً كما هي دائمًا.
المقاهي ذاتها.
الجسور ذاتها.
والنهرُ الذي يمضي
دون أن يحملَ ذاكرةَ أحد.
أما أنا،
فكنتُ أحملُ ذاكرةً كاملةً
في نظرةٍ واحدة.
كلُّ شيءٍ صار يقودني إليك.
حتى الأشياءُ التي لم تعرفكَ يومًا.
حتى الأماكنُ التي لم تطأها قدماك.
كأنّك لم تكن شخصًا فقط،
بل عدسةً جديدة
أصبحتُ أرى العالمَ من خلالها.
ألمسُ ظلَّك،
فأجدُ طفولتي تستيقظ.
وألمسُه مرةً أخرى،
فتنهضُ امرأةٌ أخرى بداخلي،
امرأةٌ أكثر نضجًا،
وأكثر حزنًا،
وأكثر فهمًا لمعنى الفقد.
عندها أدركتُ أن بعضَ البشر
لا يتركون أثرًا في أيامنا فقط،
بل يوقظون فينا أرواحًا
لم نكن نعرفُ أنها موجودة.
ولهذا يصعبُ الرحيل.
ليس لأنهم غادروا،
بل لأنهم أخذوا بأيديِنا
إلى أماكنَ عميقةٍ داخل أنفسنا،
ثم تركونا هناك
نحاولُ التعرّفَ إلى وجوهنا الجديدة.
وفي آخر المساء،
وقفتُ أمام نافذتي المطلّة على باريس.
كانت الأضواءُ تتلألأُ في البعيد،
والمدينةُ تستعدُّ لليلٍ آخر.
أما أنا،
فكنتُ أقفُ أمام ألفِ بابٍ مفتوح.
لا أحاولُ إغلاقَها هذه المرة.
بل أعبرُها بهدوء.
لأنني فهمتُ أخيرًا
أن بعضَ الأبوابِ
لم يفتحها الحبُّ كي نعودَ إلى أحد،
بل كي نصلَ إلى أنفسنا.
يتبع…










