أحسن الدكتور أسامه عبدالحى نقيب الأطباء عندما أكد رفض النقابة لوضع حد أدنى لأجور الأطباء فى مصر وإعطاء الاطباء حق تحديد أجورهم دون مراعاة لظروف المرضى والأعباء المعيشية التى يواجهها الغالبية العظمى من أفراد المجتمع.
للأسف تحولت أجور بعض الاطباء مؤخرا إلى وسيلة دعاية حيث يعتقد كثير منهم أن رفع أجورهم هو الأسلوب الأمثل لتأكيد جودتهم والترويج لسمعتهم الطبية وتسيطر قناعة على عقول كثير من الأطباء يؤمن بأن المرضي وأسرهم يبحثون عن الطبيب الأغلى اعتقادا بأنه الافضل.. وكثير من الأطباء كتبوا هذا الكلام على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، وروجوا لفكرة عدم ثقة المرضي وأسرهم فى الأطباء الذين يحصلون على أجور منخفضة.. وهو كلام قد يكون بعضه صحيحا لكنه يحمل كل صور المغالطة والتوظيف السيئ لبعض الاعتقادات الخاطئة وتحويلها الى قاعدة عامة ونشرها بين الناس لتبرير تحويل الطب – وهو مهنة راقية وسامية- إلى سلعة باهظة الثمن لا يقدر عليها إلا أصحاب الأموال الوفيرة والدخول المرتفعة.
مهنة الطب- يا سادة- من أشرف المهن وأكثرها أهمية في حياة البشر.. ونحن جميعا نعلم أن الطبيب يقضي سنوات طويلة من عمره في الدراسة والتدريب واكتساب الخبرات التي تؤهله لتحمل مسئولية صحة الإنسان وحياته.. ونعلم أيضا أن من حق الطبيب أن يحصل على أجر عادل يتناسب مع جهده العلمي والمهني وما يتحمله من مسئوليات جسام تجاه مرضاه وتجاه المجتمع.. لكن الجدل الذي لا يتوقف حول أجور الأطباء يطرح تساؤلات مهمة حول الحدود الفاصلة بين الأجر العادل والمغالاة غير المبررة.
ففي السنوات الأخيرة كثرت الشكوى من ظاهرة رفع بعض الأطباء قيمة الكشف أو الاستشارة إلى مستويات يراها كثير من المواطنين مبالغا فيها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها قطاع واسع من المجتمع.. والأكثر إثارة للجدل أن بعض هذه الأجور المرتفعة لا ترتبط دائما بخبرة استثنائية أو إنجازات علمية فريدة، وإنما تتحول في بعض الأحيان إلى أداة دعائية غير مباشرة بفعل إجادة بعض الاطباء لأدوات الدعاية والتأثير على الناس وربما خداعهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
منذ أسابيع قرأت اعلانات عبر فيس بوك عن وجود طبيب قلب بإحدى المستشفيات الاستثمارية فاتصلت بالمستشفي لحجز موعد لأستشيره فى كيفية السيطرة على ارتفاع ضغط دمى خاصة فى ظل وجود المنغصات الحياتية حولنا من كل جانب.. فإذا بالمستشفي تخبرنى أن كشف الدكتور (المصرى المحلى) 3000 آلاف جنيه فسألتهم عن وجود أى خصم لأعضاء نقابة الصحفيين أو سكان أكتوبر.. وكان الرد: للأسف لا يوجد أية خصومات!!
طبعا ودون تردد صرفت نظر عن الذهاب لهذا الطبيب وذهبت لأستاذ آخر سمعته طيبة وكشفت بخصم نقابة الصحفيين ب ٥٨٠ جنيها.
الشاهد فى هذه الواقعة أن بعض الأطباء وبعض المستشفيات يبالغون فى أجور الأطباء بما يصيب المرضى وأسرهم بخيبة أمل، ذلك أن بعض المرضى – نفسيا- قد يفيدهم الطبيب الشهير لأن كلامه سيكون مصدر طمأنينة لهم .. مع اعترافى أنا شخصيا من واقع خبرتى الطويلة مع المرض والأطباء داخل مصر وخارجها أن الطبيب الصغير سنا والأقل أجرا غالبا ما يكون هو الأفيد للمريض والأكثر اهتماما به والاستماع إليه ومتابعة حالته.
ويبقى السؤال المهم: هل يجوز أن يصبح أجر الطبيب المرتفع والمبالغ فيه وسيلة لإقناع المرضى بالتفوق المهني؟
كثير من الأطباء تسيطر عليهم قناعة موجودة في علم التسويق مفادها أن بعض المستهلكين يربطون بين ارتفاع السعر وجودة الخدمة.. ومن هنا قد ينشأ انطباع لدى المريض بأن الطبيب الأعلى أجرا هو بالضرورة الأفضل والأكثر مهارة، حتى لو لم يكن هناك دليل موضوعي على ذلك.. ومع مرور الوقت تصبح قيمة الكشف نفسها جزءا من الصورة الذهنية للطبيب، وينظر إليها باعتبارها مؤشرا على التميز، لا مجرد مقابل للخدمة الطبية.
ونحن نقول لهؤلاء: أنتم أصحاب رسالة إنسانية سامية والطب يختلف بطبيعته عن كثير من الأنشطة التجارية الأخرى، ولا ينبغى أن تستغلوا الحالة النفسية للمريض الذى يكون غالبا ما يكون في حالة ضعف وقلق وخوف على صحته أو حياة أحد أفراد أسرته، وهو ما يجعله أكثر استعدادا لدفع مبالغ كبيرة إذا اعتقد أن ذلك سيمنحه فرصة أفضل للعلاج.
المسئولية الأخلاقية للطبيب تفرض عليكم تحقيق التوازن بين حقه المشروع في أجر مناسب وبين مراعاة الظروف الإنسانية للمرضى.. وأنا هنا أنبه الجميع إلى أن ارتفاع الأجور بصورة مبالغ فيها يخلق آثارا اجتماعية سلبية.. فالكثير من المرضى قد يضطرون إلى الاقتراض أو تأجيل احتياجات أساسية من أجل الحصول على الكشف والعلاج.. وقد يؤدي ذلك إلى عزوف بعض المواطنين عن متابعة حالتهم الصحية أو تأجيل زيارة الطبيب حتى تتفاقم الأمراض وتزداد المضاعفات.
لذلك أوجه كل التحية والنقدير لهؤلاء الأطباء الذين يرحبون بالكشف على الفقراء دون مقابل، بل بعض الأطباء يقدمون أيضا الدواء مجانا لهؤلاء المرضى..
الخلاصة أن القضية ليست في حق الطبيب في أجر مرتفع إذا كان مستحقا، وإنما في تحويل الأجر نفسه إلى أداة تسويق أو معيار وحيد للتفوق.. فالمعيار الحقيقي الذي ينبغي أن يحكم تقييم الطبيب هو العلم والخبرة والالتزام المهني ورضا المرضى ونتائج العلاج، لا الرقم المكتوب على باب العيادة.
علاقة المرضى بالأطباء فى مصر تحتاج إلى ثقافة جديدة تقوم على الشفافية والموضوعية في تقييم الخدمات الطبية.. كما يحتاج المرضى إلى البحث عن الكفاءة والسمعة المهنية الموثوقة بدلا من الانبهار بالأرقام الكبيرة، وعلى الأطباء أن يدركوا أن الثقة الحقيقية تبنى بالعلم والإنسانية وحسن التعامل، لا بارتفاع قيمة الكشف.
مسئولية نقابة الأطباء ترسيخ معادلة عادلة تضمن للطبيب حقه وتحافظ في الوقت نفسه على حق المواطن في الحصول على خدمة طبية مناسبة وميسورة التكلفة.
فهل تتحرك نقابة الأطباء فى هذا الاتجاه؟؟
b_halawany@hotmail.com








